جاد حداد

Room 2806: The Accusation... دومينيك ستراوس وفضيحة الاعتداء الجنسي

5 دقائق للقراءة

وثائقي جديد مثير للاهتمام ومشوق أطلقته شبكة «نتفلكس» مسلسلاً بعنوان Room 2806: The Accusation (الغرفة 2806: الاتهام). إنها قصة الاعتداء الجنسي التي تورط فيها السياسي الفرنسي دومينيك ستراوس مدير صندوق النقد الدولي السابق وأحد أبرز المرشحين للرئاسة الفرنسية. يتألف المسلسل الدقيق من أربعة أجزاء، ويطلعك بأسلوب مشوق وشهاداتٍ حية جميع التفاصيل المحيطة بتلك القضية البارزة التي سبقت نشوء حركة #أنا_أيضاً المناهضة للتحرش الجنسي فتشعر مع مرور الحلقات وكأنك في قلب الحدث.

وقد تنصدم من آراء بعض السياسيين الفرنسيين في الوثائقي فعدد لا يستهان منهم انبرى مدافعاً عن ستراوس بتعليقات على تويتر أظهرت ميلهم الفادح إلى اعتبار الاعتداء الجنسي ظاهرة عادية، أو نوعاً من المهارة الذكورية العادية المسموح بها في فرنسا وهي جزء من حرية الفرد الجنسية.

يحمل المسلسل توقيع المخرج الفرنسي جليل ليسبيرت، وتنتهي كل حلقة منه بطرح معلومة جديدة ومثيرة تدفع المشاهدين إلى إنهاء الحلقات الأربع دفعةً واحدة. إذا كنت مطّلعاً على هذه القضية، لن يقدّم لك المسلسل أي معلومات جديدة، لكنه يسلّط الضوء على طريقة التعامل مع قضايا الاعتداءات الجنسية عموماً في الولايات المتحدة وفرنسا.

يبدأ المسلسل بتقديم تفسير مفصّل عن هوية السياسي الفرنسي وما كان عليه قبل العام 2011 ويكشف السبب الذي جعله شخصية بارزة في فرنسا. في العام 2011، كان ستراوس كان مدير صندوق النقد الدولي واعتُبِر حينها المرشّح الأوفر حظاً للفوز في الانتخابات الرئاسية اللاحقة في ظل تراجع شعبية الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي. لكن يكشف المسلسل الوثائقي كيف دمّرت هذه القضية حظوظه وسحبته من السباق الرئاسي.





في المقابل، يسمح المسلسل للخادمة التي اتهمته بالاعتداء عليها، نافيساتو ديالو، بالتعريف عن نفسها فتُخبر المشاهدين بخلفيتها كمهاجرة من غينيا انتقلت إلى نيويورك مع ابنتها ثم بدأت العمل كخادمة في فندق «سوفيتيل». تستعرض ديالو وهي تنظر إلى الكاميرا مباشرةً نسختها من الأحداث التي حصلت في الجناح الرئاسي من ذلك الفندق في نيويورك في 14 أيار 2011. لا يقدّم العمل أي وصف مفصّل مضاد للحادثة، بل يعتبر ستراوس كان ومحاموه بكل بساطة أن تلك العلاقة حصلت بالتراضي.

يكشف المسلسل أن شهادة ديالو فقدت مصداقيتها ويوضح مختلف نظريات المؤامرة المتداولة في تلك الفترة، لا سيما في فرنسا. قيل مثلاً إن ساركوزي وجهاز الاستخبارات الفرنسية كانا وراء ما حصل لسحب ستراوس كان من السباق الرئاسي. لكن لا تثبت أي أدلة هذه الفرضية. ولكن شهادة ديالو تفقد صدقيتها حين تعترف للشرطة بعد ضغوط كبيرة كيف كذبت لدخول الولايات المتحدة كلاجئة باختراعها قصة وهمية حول اغتصابها من 12 جندياً في بلدها، كما أن حسابها المصرفي اغتنى فجأة بـ60 ألف دولار أميركي تقول إنها لرجل أعمال صديق لها لا يملك حساباً مصرفياً، لتكتشف الشرطة بأن الرجل مسجون بالولايات المتحدة بتهمة الاتجار بالمخدرات بالاضافة الى شكوك حول عمل الخادمة كمومس لقاء المال. هذه الوقائع كانت كفيلة بإعادة تبرئة صفحة ستراوس وإسقاط التهم عنه.

لن نعرف في النهاية حقيقة ما حصل في ذلك اليوم داخل الجناح الرئاسي من فندق «سوفيتيل». لكن يكشف المسلسل طريقة تعامل النظام القضائي والمجتمع عموماً مع امرأة سوداء اتّهمت رجلاً ثرياً ونافذاً من أصحاب البشرة البيضاء بالاعتداء عليها جنسياً. يذكر العمل أن تلك المرأة لم تحصل على محاكمة عادلة بل أُسقطت الدعوى سريعاً واعتُبِرت شهادتها غير جديرة بالثقة. تبدو طريقة تعامل النيابة العامة مع نافيساتو ديالو منهجية ومألوفة في مجتمعٍ يوجّه أصابع الاتهام إلى ضحايا الاعتداء الجنسي.

أكثر ما يلفت النظر هو الحوار المرتبط بموضوع الاعتداء الجنسي، وقد اعتبره المشاهدون «مثيراً للاشمئزاز» على موقع تويتر. يسلّط المسلسل الضوء على هذه النقطة بكل وضوح. عمد عدد كبير من الشخصيات المشارِكة في العمل (كانوا من أقرب أصدقاء ستراوس كان أو من معارفه) إلى الاستخفاف بتصرّفه مع النساء. حتى أن أحدهم برّر سلوكه واعتبره تصرفاً «فرنسياً» نموذجياً. كذلك، بدا وكأن بعض السياسيين الفرنسيين (من رجال ونساء) يخلط بين الإغراء والاعتداء الجنسي، فاعتبروا ستراوس كان «رجلاً تحكمه غريزته».

يُلمِح المسلسل إلى أن هذا السلوك هو تصرف راسخ في الثقافة الفرنسية ويثبت هذه الفكرة لاحقاً عبر إظهار ردة فعل المقدم التلفزيوني الفرنسي تييري أرديسون وضيوفه الرجال في برنامجه وهم يضحكون عند سماع قصة الصحافية والكاتبة الفرنسية تريستان بانون التي اتّهمت ستراوس كان أيضاً بمحاولة اغتصابها، فقال المذيع بكل إعجاب: «أعشق هذه الحوادث»! فسّر هذا الأخير موقفه لاحقاً، فهو لم يقصد أنه يحب الاغتصاب كما يقول، ومع ذلك تبقى ردة فعله صادمة. لا يمكن تبرير الاعتداء الجنسي أو الاغتصاب لمجرّد أن فرنسا تُعتبر بلد «الفجور».

أخيراً، يتناول هذا المسلسل الوثائقي مواضيع مهمة مثل جوهر حركة #أنا_أيضاً. قد لا يكشف العمل معلومات جديدة عن القضية، لكنه يصفها بأدق التفاصيل وبأسلوب موضوعي. في المقابل، لا يشمل المسلسل أي شهادات شخصية من الرجل المُتّهم، معظم المشاهد للرجل سبق بثها في مقابلات تلفزيونية سابقة له. لكن قبل ثلاثة أيام من صدور العمل على شبكة «نتفلكس»، غرّد ستراوس كان عبر تويتر أنه بصدد تحضير مشروع وثائقي لسرد «نسخته الخاصة» من الأحداث. المسلسل يفتح شهية المشاهد لمعرفة المزيد عما حدث وانتظار نسخة المتهم عن القضية وحيثياتها خصوصاً أن الوثائقي يفيد بأن الرجل رفض إجراء مقابلة مع المعدّين لنقل روايته الخاصة عمّا حصل.