د. بولا أبي حنا

من كاراكاس إلى بيروت: حين تُسقِط التكنولوجيا ما عجزت الجيوش عن إسقاطه

5 دقائق للقراءة

ليست فنزويلا هي التي تنهار اليوم، بل الفكرة القديمة عن سيادة الدول، في عالم لم يعد يسأل من يملك الحق، بل من يملك القدرة.

ما جرى في فنزويلا لم يعد مجرد حدث سياسي أو أمني عابر، بل لحظة كاشفة لتحوّل عميق في طبيعة الصراع الدولي. اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، بالطريقة التي أُعلن عنها، لا يمكن قراءته كعملية عسكرية تقليدية أو انقلاب كلاسيكي، بل كنموذج متقدم لحروب القرن الحادي والعشرين، حيث تتقدّم التكنولوجيا على السلاح، والبيانات على الجيوش، والشلل على الاجتياح.

العالم يعيش مرحلة انتقالية لم تستقر بعد على نظام واضح. الأحادية القطبية تراجعت، لكن التعددية لم تكتمل. الولايات المتحدة لم تعد اللاعب الأوحد، لكنها لا تزال الأقدر على التعطيل. الصين تصعد بهدوء اقتصادي طويل النفس، روسيا تتحرك ببراغماتية جيوسياسية، فيما تلعب قوى متوسطة أدوارًا تتجاوز حجمها عبر النفوذ غير المباشر وكسر منظومات العقوبات. في هذا المشهد، تحولت فنزويلا إلى ساحة اختبار لإعادة تعريف أدوات القوة، لا لتبديل نظام فحسب.

ما جرى هناك لم يكن فشلًا مفاجئًا للدولة، بل نجاحًا دقيقًا لاستراتيجية دولية باتت مألوفة: إبقاء الخصم في حالة شلل محسوب. لا انهيار كامل يفرض تدخّلًا دوليًا مكلفًا، ولا استقرار يسمح باستعادة القرار الوطني. تُدار الأزمة بدل حلّها، ويُستخدم الاقتصاد كسلاح، والشرعية كأداة ضغط، والانقسام الداخلي كرافعة. الدولة لا تُهزم، بل تُستنزف، حتى تعتاد العيش بلا أفق، ويعتاد العالم التعامل معها كحالة مزمنة.

النفط، الذي كان يفترض أن يكون عنصر قوة، تحوّل إلى عبء جيوسياسي. فالدول الغنية بالموارد، حين تكون مؤسساتها ضعيفة، تصبح أكثر عرضة للاختراق. من إيران في الخمسينيات، إلى تشيلي في السبعينيات، وصولًا إلى العراق وسوريا، يتكرّر الدرس نفسه. وكما قال هانز مورغنثاو، فإن المصلحة القومية، لا القيم المعلنة، هي المحرّك الفعلي لسلوك الدول.

تفشل الحلول الدبلوماسية في مثل هذه الحالات ليس لأنها سيئة التصميم، بل لأنها تُطرَح في غير مكانها الصحيح. الدبلوماسية تفترض أطرافًا راغبة في التسوية، بينما النظام الدولي الراهن يقوم على إدارة التوازنات لا حلّ النزاعات. حين تصبح الأزمة نفسها جزءًا من ميزان القوة، تفقد التسوية معناها. وكما قال هنري كيسنجر، فإن السلام لا يُبنى على النوايا، بل على توازن المصالح، وعندما يغيب هذا التوازن، تتحول المفاوضات إلى آلية لشراء الوقت لا لتغيير الوقائع.

في هذا السياق، تبدو المواثيق الدولية أقرب إلى نصوص أخلاقية منها إلى قواعد ملزمة. فهي تُستدعى حين تخدم ميزان القوى، وتُهمَّش حين تعيقه. ريمون آرون لخّص هذا الواقع حين قال إن السياسة الدولية تعيش دائمًا في المسافة بين الممكن والمرغوب، لا بين العادل والظالم.

لبنان، وإن اختلفت ظروفه عن فنزويلا، يقف في المنطقة الرمادية نفسها. دولة بلا موارد استراتيجية كبرى، لكنها محاطة بصراعات إقليمية. لا تخضع لعقوبات شاملة، لكنها تعيش ضغطًا اقتصاديًا وماليًا خانقًا. لا تسقط، ولا تنهض. حالة شبيهة بدول تحوّلت من فاعل سياسي إلى ساحة مفتوحة، ومن صاحب قرار إلى ملف تفاوض. وكما كتب غسان سلامة، فإن الدولة في هذه الحالة تفقد قدرتها على الفعل المستقل، وتصبح انعكاسًا لتوازنات خارجها أكثر مما هي تعبير عن إرادة داخلها.

أما الأخطر في المشهد الفنزويلي، فهو البعد التكنولوجي للعملية. ما جرى، وفق ما تسرّب من معطيات، لم يبدأ بالقصف، بل بالعزل الرقمي. شُلّت أنظمة الاتصالات والقيادة، قُطعت الشبكات، وفُصلت الدولة عن ذاتها. قبل أن تطلق رصاصة واحدة، كانت فنزويلا قد خرجت من الشبكة. الدرونات المدعومة بالذكاء الاصطناعي لم تكتفِ بالمراقبة، بل حلّلت وحددت واتخذت القرار. القوات التي تحركت على الأرض لم تتقدم في الميدان، بل داخل فضاء بيانات: تصوير حراري، رؤية ليلية، اتصال مباشر بالأقمار الصناعية. ساحة المعركة لم تعد جغرافيا، بل شاشة.

وما شهدناه في الساحة اللبنانية خلال المواجهة الأخيرة، حيث استُخدمت الأراضي اللبنانية كمسرح لصراع تكنولوجي متقدّم، يعكس المنطق نفسه: تفوّق استخباري، هيمنة رقمية، وضرب القدرة على التواصل والقرار قبل ضرب الأرض.

هنا تتبدّى الحقيقة الأكثر إرباكًا: الحروب القادمة لا يحسمها عدد الجنود، بل سرعة المعالجة، ودقة الخوارزمية، والسيطرة على الفضاء السيبراني. العمليات التي كانت تحتاج إلى أسابيع، بات يمكن إنجازها خلال ساعات. قصف لتعطيل الدفاعات، شلل رقمي شامل، ثم استخراج الهدف. بعدها يُعلَن انتهاء العملية قبل أن يستوعب الداخل والخارج ما حدث.

بداية السنة ليست مناسبة للتفاؤل السهل، بل لإعادة طرح الأسئلة الصعبة. ما جرى في فنزويلا ليس حدثًا بعيدًا، بل نموذجًا متقدمًا لما ينتظر الدول التي تعيش طويلًا في المنطقة الرمادية. في عالم تُدار فيه السيادة بالبيانات، وتسقط فيه الأنظمة قبل أن تُهزم الجيوش، يصبح السؤال المصيري: هل نريد أن نكون لاعبين… أم نكتفي بدور المسرح؟

في النظام الدولي الجديد، لا يُقصى الضعفاء لأنهم مخطئون، بل لأنهم بلا أدوات… ومن لا يملك قرار الشبكة، لا يملك قرار الدولة.

أستاذة جامعية