جاد الاخوي

ما بين فنزويلا وإيران… هناك حزب الله

3 دقائق للقراءة

ليس مجازاً القول إن ما بين فنزويلا وإيران هناك حزب الله. فالجملة، على بساطتها الظاهرية، تختصر تحوّلاً عميقاً في طبيعة الأدوار التي باتت تلعبها التنظيمات غير "الدولية" في النظام الدولي، وفي مقدّمها حزب الله، الذي تجاوز منذ سنوات طويلة حدوده اللبنانية ليصبح حلقة وصل أساسية في شبكة نفوذ إيرانية عابرة للقارات.

لم يعد حزب الله شأناً لبنانياً صرفاً، ولا حتى لاعباً إقليمياً تقليدياً. هو اليوم جزء من منظومة سياسية – أمنية – مالية تعمل خارج منطق الدول، لكنها تتقاطع معها حيناً، وتنافسها أحياناً أخرى. من طهران إلى بيروت، الى دمشق "سابقا" إلى كاراكاس، يتشكّل مسار واحد عنوانه الالتفاف على النظام الدولي القائم، واستثمار مناطق التوتر والفراغ السياسي.

في إيران، يتغذّى الحزب من مشروع أوسع من حدود “المقاومة” كما يقدّم نفسه. هو جزء عضوي من استراتيجية إيرانية تقوم على تصدير النفوذ بدل تصدير الثورة فقط، وعلى بناء أذرع محلية تمتلك هامش حركة واسعاً مقابل التزامها بالخط الاستراتيجي العام. في هذا الإطار، يشكّل حزب الله النموذج الأنجح: تنظيم منضبط، خبرة عسكرية متراكمة، شبكة علاقات مالية واجتماعية ممتدة، وقدرة على العمل تحت أقسى أنظمة العقوبات.

لكن السؤال الأهم: لماذا فنزويلا؟ ولماذا أميركا اللاتينية عموماً؟ الجواب لا يكمن في الجغرافيا بل في السياسة. فنزويلا، الدولة الغنية بالموارد والمفقرة بالعقوبات، تمثّل نموذج الدولة المحاصَرة التي تبحث عن شركاء خارج المنظومة الغربية. وهي، في الوقت نفسه، ساحة مثالية لتقاطع مصالح طهران وحلفائها: عداء مشترك للولايات المتحدة، ضعف رقابي، واقتصاد رمادي يسمح بحركة المال والبضائع بعيداً عن الأضواء.

هنا، يظهر حزب الله ليس كضيف عابر، بل كلاعب وظيفي. خبرته الطويلة في الالتفاف على العقوبات، وشبكاته في الاغتراب، وقدرته على العمل في بيئات هشة، تجعله أداة مثالية لربط الأطراف ببعضها البعض. هو ليس مجرد ناقل رسائل أو وسيط لوجستي، بل عنصر فاعل في اقتصاد الظل الذي بات جزءاً لا يتجزأ من الصراعات الحديثة.

هذا الدور الدولي لا يمكن فصله عن الواقع اللبناني. فكل تمدّد خارجي لحزب الله ينعكس داخلياً، سواء عبر تشديد العزلة على لبنان، أو عبر ربط مصيره بمواجهات لا قرار له فيها. كلما تعمّق الحزب في أدواره الإقليمية والدولية، كلما تقلّص هامش الدولة اللبنانية، وتراجعت قدرتها على ادّعاء الحياد أو حتى إدارة أزماتها بنفسها.

الأخطر من ذلك أن هذا التموضع العابر للحدود يعيد تعريف الصراع مع حزب الله. لم يعد النقاش محصوراً بسلاح داخل الدولة، أو بتوازنات داخلية قابلة للتفاوض. نحن أمام تنظيم بات جزءاً من صراع دولي على شكل النظام العالمي نفسه: صراع بين منظومة تحاول الحفاظ على قواعدها، وأخرى تعمل على تفكيكها من الأطراف.

في هذا السياق، يصبح لبنان ساحة لا مركزاً. بل ورقة في لعبة أكبر منه، تُستعمل حيناً للمقايضة، وحيناً للضغط، وحيناً للتضحية. وهذا ما يفرض على اللبنانيين، خصوصاً القوى السيادية والمعارضة داخل البيئة الشيعية نفسها، إعادة تعريف معركتهم. فهي لم تعد فقط معركة دولة مقابل دويلة، بل معركة موقع وهوية ودور.

ما بين فنزويلا وإيران، هناك حزب الله… لكن ما بين حزب الله ولبنان، هناك فجوة تتّسع يوماً بعد يوم. فجوة بين مشروع عابر للأوطان، ودولة تُستنزف حتى آخر مقوّمات بقائها. والسؤال الذي يفرض نفسه لم يعد: إلى أين يذهب حزب الله؟ بل: هل يستطيع لبنان تحمّل هذا الذهاب إلى النهاية؟