رمال جوني

مشروع كفرتبنيت الذكي لمعالجة النفايات

4 دقائق للقراءة

لم تطرق أزمة النفايات في منطقة النبطية باب الحلّ بعد، وبقيت هذه المشكلة عالقة في متاريس السياسة وغياب الحلول الجذرية.

ويُعدّ اشتعال مكبّ نفايات كفرتبنيت، أحد أكبر مكبّات منطقة النبطية والذي يعود إلى عام 2004، من أخطر ما شهدته المنطقة في العام الماضي، نتيجة احتراق غاز الميثان في داخله، إذ إن ارتفاع النفايات فيه يصل إلى أكثر من عشرة أمتار بفعل تراكمها خلال السنوات الماضية.

هذه الأزمة رافقت المجلس البلدي الجديد في بداية عهده، إذ تسلّم كارثة بيئية، إن جاز التوصيف، تصعب معالجتها، أسوة بأزمة المكبّات العشوائية في كل لبنان. هي أزمة بلا حلّ في ظل غياب سياسة بيئية عامة واضحة لمعالجة واقع هذه المكبّات التي تشكّل قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة، والسبب الجاهز هو غياب التمويل.

أمام هذا الواقع، قررت بلدية كفرتبنيت البحث عن حلّ، وإن كان يحتاج إلى دعم ليكبر ويعالج الأزمة من جذورها. فرئيس البلدية الدكتور محمد فقيه، أستاذ الكيمياء في الجامعة اللبنانية، أطلق مشروعًا لمعالجة أزمة أنهكت البلدة منذ سنوات، ولا سيما الدخان المنبعث من المكبّ.

لم يتجه فقيه إلى خيار الفرز من المصدر على غرار ما تحاول بعض البلديات تطبيقه دون تحقيق الهدف المرجو منه، أي "صفر نفايات"، إذ بقيت هذه المحاولات عالقة بين غياب ثقافة الفرز لدى المواطنين ورغبة الأهالي بحلّ جذري. وبين هذين الخيارين، جاء مشروع بلدية كفرتبنيت ليشكّل تجربة فريدة من نوعها في لبنان.

اختارت البلدية، بحسب ما يقول فقيه، "الفرز داخل المكبّ، على أن يكون البط شريكًا أساسيًا في هذا المشروع". وتقوم فكرة الفرز على عدة مراحل، تبدأ بنقل النفايات من المنازل إلى المكبّ، ثم يقوم البط بأكل المواد العضوية، وهي الأزمة الحقيقية التي واجهت مكبّ الكفور الذي أُقفل سابقًا، نتيجة عدم وجود مطمر صحي أو آلية لتخمير هذه المواد والاستفادة منها كسماد.

ويشير فقيه إلى أن "فكرة البط قد تبدو غريبة، لكنها فعّالة، إذ يأكل كل المواد العضوية، لتبدأ بعدها عملية فرز المواد الصلبة". ويضيف: "نبيع كل المواد الصلبة، من التنك إلى الحديد والزجاج، وحتى الملابس والأحذية والإسفنج، أي كل شيء. هذا المشروع، إن تطوّر، يحل أزمة النفايات من جذورها ويعود بالمال على خزينة البلدية".

وتنتج بلدة كفرتبنيت يوميًا نحو 12 طنًا من النفايات، بينها خمسة أطنان مواد صلبة والباقي مواد عضوية، وقد بدأ البط بالفعل بالقضاء على هذه المواد. إلا أن المشروع يحتاج إلى دعم ليستمر ويتوسّع. ويقول فقيه: "بدأنا بخيمة صغيرة قرب المكبّ، ووضعنا فيها نحو 25 بطة، وسنرفع العدد تدريجيًا للتخلص من كامل المواد العضوية. هذه الفكرة، على بساطتها، مهمة جدًا لأنها تخلّصنا من الأزمة ومن مشكلة عدم التزام الناس بالفرز".

وخلال فترة قصيرة، نجحت كفرتبنيت في تخفيف نسبة النفايات في المكبّ بنحو 30 في المئة، وهي نسبة يعتبرها فقيه "مهمة جدًا في مشروع حديث، إذ وضعنا حدًا لاحتراق المكبّ وخففنا كمية النفايات".

ويكشف فقيه أنه "حتى الزجاج بدأنا بإدخاله في حجارة الباطون، ما يعني أننا نتخلّص من كل شيء".

من رحم الأزمة، وُلد مشروع كفرتبنيت في مرحلته الأولى، على أن ينطلق في مرحلته الثانية بخطوط فرز وفرّامات ومعدات تساهم في تسريع عملية الفرز. ويؤكد فقيه أن "المشروع اليوم يمول نفسه، ونسعى إلى دعم لتوسعته، ونأمل تعميمه على كل البلديات، لأنه يساهم في حل أزمة المكبّات، ويوفر فرص عمل، ويعود بالمال على خزينة الدولة".أما المرحلة الثالثة والأهم، بحسب الدراسة التي وضعها فقيه، فتقوم على تصنيع المفروزات، أي تحويل البلاستيك إلى مواد أولية، ما يرفع من قيمته ويعزز الصناعات المحلية الصديقة للبيئة.

ويطمح فقيه إلى أن يتحوّل مكبّ كفرتبنيت، الأشهر في المنطقة، إلى مقصد سياحي صديق للبيئة. ويؤكد أن ذلك "ليس صعبًا، فقد بدأنا خطوات المعالجة ووضعنا المشروع على السكة الصحيحة، ونحتاج اليوم إلى معدات فرز متطورة. نحن نتواصل مع الجهات المانحة ونأمل بمساندة وزارة البيئة، كونه يندرج ضمن مسار القضاء على مزاريب تلوّث البيئة وجوف الأرض".