جوانا صابر

بين حنين الماضي وطموح المستقبل... أغنيتنا اللبنانيّة تتغيّر وتتطوّر

3 دقائق للقراءة
الفنانون الشباب يغنون كلمات مستمدّة من صلب حياتهم اليوميّة

تُعتبر الموسيقى اللبنانية المرآة الحقيقية لهويّة البلد وتاريخه الغنيّ بالتنوّع؛ فهي ليست مجرّد نغمات عابرة، بل حكاية شعب طوّع الفن ليواجه به كلّ التحديات. على مدار عقود، شكّلت الأغنية اللبنانية مساحة تلاقٍ فريدة بين التراث والحداثة، وبين الأصالة والتجديد، ما جعلها تتربع على عرش الذائقة العربية لفترات طويلة كنموذج للإبداع المتجدّد الذي لا يحدّه زمن.

بدأت هذه الرحلة من "المرحلة الذهبية" مع السيدة فيروز والأخوين رحباني الذين لم يُقدّموا مجرّد أغنيات، بل رسموا للبنان صورة "الوطن الحلم". نجحوا في تحويل الفولكلور اللبناني البسيط إلى لغة عالمية، فصار صوت فيروز رفيق صباحاتنا، يبعث فينا الطمأنينة ويذكّرنا بجمال الضيعة وبيوتها، والحب العذري، والحنين إلى الجذور. في تلك الحقبة، كانت الموسيقى تتسم بالرصانة والعمق، وكان الفنان يدرك أن صوته أمانة ثقافية تعبّر عن رقي المجتمع اللبناني وانفتاحه على العالم.

ومع الزمن، أظهرت الموسيقى اللبنانية مرونة مدهشة في التأقلم مع المتغيّرات السياسيّة والاجتماعية. فبعد جيل العمالقة، مثل وديع الصافي وصباح ونصري شمس الدين، ثمّ ماجدة الرومي ومارسيل خليفة، وسواهم من الذين حافظوا على وقار الكلمة وهيبة اللحن، بدأت الأغنية اللبنانيّة في التسعينات ومطلع الألفية الثالثة تأخذ منحىً أكثر حيوية. دخلنا عصر "الفيديو كليب" والإيقاعات السريعة التي واكبت عصر الفضائيات، وهو ما جعل الأغنية اللبنانية تتصدر قوائم الاستماع من المحيط إلى الخليج بفضل قدرتها على التجدد الدائم ومخاطبة جيل يبحث عن البهجة والمعاصرة.

اليوم، ونحن نعيش في عصر السرعة والمنصّات الرقمية، يطلّ جيل جديد من الفنانين اللبنانيين الشباب بأسلوب مختلف تمامًا. لم يعد هؤلاء ينتظرون شركات الإنتاج الكبرى لتبنّي مواهبهم، بل أصبحوا يكتبون ويلحنون وينتجون أعمالهم في ستوديوات منزلية بسيطة، ويطرحونها مباشرة للجمهور عبر "يوتيوب" و "تيك توك". ما يميّز هذا الجيل هو "الجرأة والحريّة"؛ فهم لا يتردّدون في مزج "الدبكة" اللبنانية بإيقاعات "الراب" و "الهيب هوب" أو الموسيقى الإلكترونية، مستخدمين كلمات مستمدّة من صلب حياتهم اليومية، ومن أوجاع الشارع اللبناني وهواجسه المعيشية والاجتماعية.

وبالنظر إلى التطوّر الذي يجتاح عالم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، يبدو أن الموسيقى اللبنانية، خلال السنوات العشر المقبلة، ستزداد انفتاحًا. لكن في المقابل، سيبقى الرهان دائمًا على "الروح البشرية" لا على "الآلة". فقوّة الموسيقى تكمن في قدرتها على البقاء حية رغم كل الأزمات الاقتصادية والسياسية؛ فهي وسيلة للمقاومة الثقافية وأداة للحفاظ على الهوية اللبنانية الفريدة. وستبقى الأغنية اللبنانية تتغيّر وتتطوّر، لكنها ستظلّ وفية لتلك النوتة السحرية التي تجمع بين حنين الماضي وطموح المستقبل، لتؤكد للعالم أن بيروت كانت وستبقى عاصمة الفن التي لا تنكسر، وصوت الإبداع الذي لا يهدأ.