ريتا عازار

عندما تعزف الذاكرة من جديد... اكتشافات حول قوة الموسيقى في الدماغ

7 دقائق للقراءة

لطالما ارتبطت الموسيقى في الوعي الإنساني بفكرة الشفاء والتخفيف من المعاناة. فمنذ العصور القديمة، نُسبت إليها قدرة خاصة على تهدئة النفوس واستعادة التوازن الداخلي، غير أن هذه القناعة ظلت لقرون أقرب إلى الحدس والتجربة الشخصية منها إلى الحقيقة العلمية. لكن التطورات الحديثة في علم الأعصاب بدأت تمنح هذه الفكرة أساسًا علميًا متينًا، وهو ما تستعرضه الباحثة الكندية الكيبيكية Isabelle Peretz (إيزابيل بيريتز) في كتابها «Soigner avec la musique. Nouvelles des neurosciences» (العلاج بالموسيقى: مستجدات علوم الأعصاب)، الصادر في نيسان 2026 عن "Éditions Odile Jacob".

توضح إيزابيل بيريتز أن الموسيقى ليست مجرد وسيلة للترفيه أو تعبير فني، بل ظاهرة تؤثر بعمق في الدماغ والجسد والمشاعر والعلاقات الاجتماعية. فبفضل تقنيات تصوير الدماغ الحديثة، أصبح العلماء قادرين على مراقبة المناطق العصبية التي تنشط أثناء الاستماع إلى الموسيقى أو الغناء أو العزف، ما أتاح الانتقال من الانطباعات الشخصية إلى الملاحظات العلمية القابلة للقياس.

ومع تزايد الاهتمام العالمي بالعلاج بالموسيقى، بدأت المستشفيات ومراكز التأهيل تعتمد بروتوكولات أكثر تنظيمًا لاستخدامها في إعادة التأهيل العصبي. ويشير الباحثون إلى أنّ الاستجابة للموسيقى تختلف من شخص إلى آخر تبعًا للخبرة الثقافية والذاكرة الشخصية، ما يجعلها أداة علاجية مرنة، لكنها غير موحَّدة التأثير. كما تُظهر الدراسات الحديثة أنّ الدماغ لا يعالج الموسيقى في منطقة واحدة فقط، بل عبر شبكة واسعة تشمل القشرة السمعية ومناطق الذاكرة والانفعال والحركة. وهذا التشابك العصبي يفسّر لماذا يمكن للموسيقى أن تستدعي الذكريات، وتحرّك الجسد، وتبدّل المزاج في لحظات قصيرة. ولا يزال العلماء يحاولون فهم الحدود الدقيقة لهذا التأثير، خصوصًا في حالات الاضطرابات النفسية، مثل الاكتئاب والقلق، حيث تبدو النتائج واعدة، لكنها تحتاج إلى مزيد من التحقق. ومع ذلك، يتّفق معظم الباحثين على أن الموسيقى تمثّل وسيلة مساعدة قوية يمكن أن تُدمج مع العلاجات الطبية التقليدية من دون أن تحل محلّها. وهذا يفتح الباب أمام أبحاث مستقبلية أعمق لفهم إمكانات الموسيقى في الطب الحديث على نطاق واسع.


الموسيقى والألزهايمر

ومن أكثر الأمثلة تأثيرًا تلك المتعلقة بمرضى ألزهايمر. إذ تروي الباحثة قصة المغنية الكندية الشهيرة رينيه كلود، التي فقدت جزءًا كبيرًا من ذاكرتها بسبب المرض. ورغم ارتباكها وصعوبة تواصلها مع محيطها، استعادت فجأة كلمات إحدى الأغنيات التي اشتهرت بأدائها عندما بدأت الموسيقى تعزف. وبدا وكأنّ جزءًا من شخصيتها عاد إلى الحياة للحظات. لا يفسّر العلم هذا الحدث باعتباره معجزة، بل نتيجة لكون الذاكرة الموسيقية تعتمد على شبكات دماغية قد تبقى سليمة نسبيًا حتى مع تدهور وظائف الذاكرة الأخرى.

وتكشف هذه الظاهرة عن العلاقة العاطفية العميقة التي تربط الإنسان بالموسيقى. فالأغاني التي نسمعها خلال سنوات المراهقة وبداية الشباب غالبًا ما تظلّ راسخة في الذاكرة لأنها ترتبط بتجارب الحب والصداقة والأحلام والتحديات الأولى. بل إنّ بعض الألحان تنتقل بين الأجيال لتصبح جزءًا من الإرث العاطفي للعائلات.

ولا تقتصر فوائد الموسيقى على الذاكرة. فقد أظهرت الدراسات أن مرضى باركنسون، الذين يعانون اضطرابات في الحركة والتوازن، يستطيعون أحيانًا المشي أو الرقص بسهولة أكبر عندما يرافقهم إيقاع موسيقيّ منتظم. ويعتقد الباحثون أنّ الإيقاع يوفّر للدماغ مرجعًا زمنيًا خارجيًا يساعده على تعويض بعض الاختلالات العصبية المسؤولة عن الحركة.


قصة توم الكفيف

كما أثبتت الموسيقى فعاليتها في إعادة تأهيل بعض المصابين بالسكتات الدماغية. فهناك مرضى فقدوا القدرة على الكلام الطبيعي، لكنهم تمكّنوا من غناء كلمات الأغنيات بسهولة نسبية. ويعود ذلك إلى أنّ الغناء والكلام لا يعتمدان كليًا على الشبكات العصبية نفسها، ما يسمح للموسيقى بفتح مسارات بديلة للتواصل عندما تتضرّر مناطق اللغة في الدماغ.

ويتناول الكتاب أيضًا حالات استثنائية تكشف استقلالية القدرات الموسيقية عن بعض الوظائف العقلية الأخرى. ومن أشهرها "قصة توم"، الموسيقي الكفيف الذي عاش في القرن التاسع عشر. ورغم محدودية قدراته اللغوية، امتلك توم موهبة مذهلة مكَّنته من حفظ آلاف المقطوعات الموسيقية وإعادة عزفها بعد سماعها مرة واحدة فقط. وتدلّ هذه الحالات على أنّ الدماغ الموسيقي يمتلك آليات خاصة قد تتطوّر بشكل مستقل عن مجالات معرفية أخرى.

ومن الجوانب التي حظيت باهتمام واسع في أبحاث علم الأعصاب مسألة المتعة الموسيقية. فقد أظهرت الدراسات أنّ الاستماع إلى الموسيقى المحبّبة يحفز إفراز الدوبامين، وهو ناقل عصبي يرتبط بالإحساس بالمكافأة والسعادة. لذلك يشعر كثير من الناس بالقشعريرة أو الانفعال الشديد عند سماع مقطع موسيقي مؤثّر. كما بيّنت التجارب أنّ زيادة مستويات الدوبامين تعزّز المتعة الموسيقية، بينما يؤدي انخفاضها إلى تراجع التأثير العاطفي للألحان.

تخفيف الألم

ولا تقتصر آثار الموسيقى على المتعة النفسية، بل تمتدّ إلى تخفيف التوتر وتحسين الحالة الجسدية. فقد أظهرت بعض الدراسات أنّ الغناء المنتظم، بخاصة لدى النساء الحوامل، يساهم في خفض مستويات هرمونات التوتر بدرجة تفوق أحيانًا مجرّد الاستماع إلى الموسيقى. ويرجع ذلك إلى أنّ الغناء ينشّط التنفس، ويركّز الانتباه، ويساعد الجسم على استعادة إيقاع أكثر هدوءًا وتوازنًا.

كما فتحت الأبحاث بابًا مهمًا لدراسة دور الموسيقى في تخفيف الألم. فمنذ ستينات القرن الماضي، أشارت تجارب أُجريت على مرضى الأسنان إلى أنّ الاستماع إلى الموسيقى قد يقلّل من الشعور بالانزعاج أثناء العلاج. ورغم استمرار الجدل حول حجم هذا التأثير، فإنّ النتائج شجعت على تطوير مجالات بحثية جديدة في العلاج بالموسيقى.

وتمنح إيزابيل بيريتز أهمية خاصة للرقص باعتباره نشاطًا يجمع بين الحركة والمتعة والتفاعل الاجتماعي والتحفيز الذهني. فالرقص لا يقتصر على كونه تمرينًا بدنيًا، بل يوفر بيئة ممتعة تساعد الأفراد على الاستمرار في النشاط البدني وتحسين صحتهم النفسية والجسدية في الوقت نفسه.


انتقاد "تأثير موزار"

ومع ذلك، تحرص المؤلفة على التمييز بين الحقائق العلمية والمبالغات الشائعة. فهي تنتقد ما يعرف بـ "تأثير موزار"، وهو الاعتقاد الذي انتشر لفترة طويلة بأنّ الاستماع إلى موسيقى موزار يزيد الذكاء. فبعد سنوات من الدراسات، لم يتمكن الباحثون من إثبات هذه الفرضية بصورة علمية مقنعة. وهذا يبرز أهمية التعامل مع الموسيقى بوصفها أداة ذات فوائد حقيقية، لا علاجًا سحريًا لكل المشكلات.

وفي ختام الكتاب، تتجاوز بيريتز الجانب الطبي لتتأمل الدور الاجتماعي للموسيقى. فالغناء الجماعي والرقص وحضور الحفلات الموسيقية يخلق نوعًا من الانسجام بين الأفراد ويعزز الشعور بالانتماء. وقد ظهر هذا الدّور بوضوح خلال جائحة "كوفيد-19"، عندما لجأ الناس في كثير من البلدان إلى الغناء من الشرفات والنوافذ للتعبير عن التضامن ومواجهة العزلة.

في النهاية، تؤكد أبحاث علم الأعصاب أنّ الموسيقى ليست مجرّد زينة ثقافية أو وسيلة للتسلية، بل حاجة إنسانية عميقة الجذور. فهي تساعدنا على استحضار الذكريات، واستعادة بعض القدرات المفقودة، وتخفيف التوتر والألم، وتقوية الروابط الاجتماعية. وإذا كان العلم قد كشف اليوم بعض أسرار تأثيرها، فإنه لم ينتقص من سحرها، بل أظهر أنّ هذا السحر يستند إلى جذور بيولوجية وإنسانية أعمق ممّا كنا نعتقد.