باريس
في ظل التصعيد الإسرائيلي المتواصل على الجبهة الجنوبية، وارتفاع منسوب التهديدات في الإعلام الإسرائيلي وعلى ألسنة مسؤولين سياسيين وعسكريين، يبرز لافتاً غياب أي إعلان رسمي فرنسي في الأيام الأخيرة بشأن تحرك دبلوماسي مباشر أو زيارة وشيكة للموفد الرئاسي جان إيف لودريان إلى بيروت، رغم كثافة الحديث الإعلامي عن اتصالات وضغوط دولية تهدف إلى منع انزلاق الوضع نحو مواجهة واسعة، وعلى الرغم من التوقعات بزيارة وشيكة ل لودريان هذا الاسبوع .
حتى مساء الامس ، لم تصدر وزارة الخارجية الفرنسية ولا قصر الإليزيه أي بيان يؤكد موعد زيارة لودريان ، الذي فقد شقيقته،أو طبيعة مهمته المقبلة او جدول الاعمال، مما يعكس، وفق مصادر دبلوماسية مطلعة، اعتماد باريس مقاربة «العمل الهادئ» بعيداً عن الأضواء، في مرحلة شديدة الحساسية إقليمياً، حيث بات أي إعلان رسمي عرضة للتوظيف السياسي أو الميداني.
دبلوماسية صامتة في لحظة دقيقة
غياب الإعلان لا يعني غياب الاتصالات. على العكس، تشير المعطيات المتوافرة إلى أن فرنسا، بالتنسيق مع أطراف دولية وإقليمية، تواصل تحركاتها عبر قنوات خلفية، هدفها الأساسي تثبيت قواعد الاشتباك ومنع إسرائيل من توسيع عملياتها العسكرية في الجنوب اللبناني، خصوصاً في ظل الحديث المتكرر في الإعلام الإسرائيلي عن «ضرورة تغيير الواقع الأمني شمالاً» وفي ظل التسريبات المبهمة عن نتائج زيارة رئيس الحكوموبنيامين نتنياهو الولايات المتحدة الاميركية ولقاءاته مع الرئيس الاميركي دونالد ترامب .
تحرص باريس، بحسب مصادر متابعة، على عدم رفع سقف التوقعات أو الظهور بمظهر الوسيط العلني في هذه المرحلة، إدراكاً منها حساسية الوضع الداخلي اللبناني، وتعقيدات المشهد الإقليمي المرتبط بغزة، وبالتوازنات التي كانت قائمة على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية منذ انتهاء حرب تموز في العام 2006 التي اطاحت بها حرب الاسناد التي اطلقها حزب الله في8 اوكتوبر من العام 2023 وما تلاها من حرب اسرائيلية على الحزب .
التهديدات الإسرائيلية: ضغط سياسي ورسائل ردع
في المقابل، يواصل المسؤولون الإسرائيليون إطلاق مواقف تصعيدية، تتراوح بين التهديد بعملية عسكرية واسعة، والتلويح بتوسيع بنك الأهداف في العمق اللبناني. هذا الخطاب، الذي يترافق مع تسريبات إعلامية مدروسة، يُقرأ في الأوساط الدبلوماسية الغربية كأداة ضغط مزدوجة: داخلياً على الحكومة الإسرائيلية، وخارجياً على الوسطاء الدوليين، لدفعهم إلى انتزاع «ضمانات أمنية» جديدة تتجاوز ما هو قائم حالياً.
غير أن هذه التهديدات، على خطورتها، لم تترجم حتى الآن إلى قرار سياسي نهائي بالذهاب إلى مواجهة شاملة، مما يفسح المجال أمام تحركات دبلوماسية مكثفة، وإن غير معلنة، لمحاصرة التصعيد ومنع خروجه عن السيطرة.
لبنان في قلب الحسابات الفرنسية
بالنسبة لفرنسا، يبقى لبنان عنصراً حساساً في معادلة الاستقرار الإقليمي. لذلك تركز الاتصالات الجارية، وفق ما يتردد في الكواليس، على ثلاثة محاور: حماية دور الجيش اللبناني، الحفاظ على وجود اليونيفيل وحرية حركتها خحتى انتهاء مهتمها في نهاية العام والاتفاق على بديل ، ومنع أي تغيير جذري في الواقع العسكري القائم منذ وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024 قد يفتح الباب أمام حرب شاملة وربما طويلة الأمد لا يريدها أحد في المرحلة الراهنة.
من هنا، يُفهم التريث الفرنسي في الإعلان عن زيارات أو مبادرات، في انتظار نضوج ظروف سياسية وأمنية تسمح بتحرك علني أكثر فعالية، أو بتوفير غطاء دولي أوسع لأي خطوة مقبلة.
بين الصمت والتحرك
في المحصلة، يعكس الغياب الحالي لأي موقف فرنسي رسمي معلن بشأن زيارة لودريان أو مبادرة جديدة، ليس تراجعاً في الاهتمام بلبنان، بل محاولة لإدارة أخطر مراحل التصعيد بأدوات دبلوماسية منخفضة الضجيج. وفي وقت ترتفع فيه نبرة التهديد في إسرائيل، يبدو أن الرهان الدولي، وخصوصاً الفرنسي، لا يزال منصباً على احتواء المواجهة، ومنع تحول الجنوب اللبناني إلى ساحة حرب مفتوحة، بانتظار اتضاح مسار التطورات الإقليمية الكبرى في ظل تصاعد الاحتجاجات في ايران وما قد تفرزه من نتائج سيكون لها تاثير مباشر على الاوضاع الاقليمية والدولية اضافة الىى ترددات العملية التي قامت بها الولايات المتحدة الاميركية في فنزويلا واقتياد رئيسها نيكولاس ماديرو وتقديمه للمحاكمة .