قد يبدو للوهلة الأولى أن موقف إيران المتفهم، بل والمستميت، في الدفاع عن نيكولاس مادورو بعد سقوطه، يدخل في إطار الشعارات المألوفة حول "السيادة" و "رفض التدخل الخارجي" و "احترام القانون الدولي". غير أن أي قراءة جدية لتاريخ العلاقة بين طهران وكاراكاس، وللشبكات التي تشكلت بين الطرفين خلال العقدين الماضيين، تُسقط سريعًا هذا الخطاب الأخلاقي المعلّب، وتكشف أن المسألة أبعد بكثير من مبادئ أو تحالفات أيديولوجية. نحن نفهم موقف إيران، لا لأننا نشاركه أو نبرره، بل لأن خيوطه تقود بوضوح إلى تجارة المخدرات وشبكات المال غير الشرعي.
منذ توليه الحكم عام 2013، لم يكن مادورو مجرد وريث سياسي لهوغو تشافيز، بل أصبح رأس منظومة متكاملة اتهمتها الولايات المتحدة بقيادة ما يُعرف بـ "كارتل الشمس"، وهي شبكة ضخمة لتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة وأوروبا. الاتهامات الأميركية، التي تُرجمت إلى ملاحقات قضائية ورصد مكافأة مالية ضخمة لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقاله، لم تكن معزولة عن سياق أوسع: فنزويلا تحولت تدريجيًا إلى دولة - معبر، بل إلى مركز إقليمي لتجارة الكوكايين وغسل الأموال، تحت حماية السلطة السياسية نفسها.
هنا تحديدًا يدخل العامل الإيراني. العلاقة بين طهران وكاراكاس لم تُبنَ فقط على العداء المشترك للولايات المتحدة، بل على تقاطع مصالح أمنية ومالية مع "حزب الله"، الذي شكّل الجسر العضوي بين النظامين. تقارير موثقة وشهادات رسمية أمام الكونغرس الأميركي تؤكد أن "حزب الله" أنشأ خلال العقود الماضية واحدة من أوسع شبكات التمويل غير الشرعي في أميركا اللاتينية، شملت غسل الأموال، التجارة الوهمية، ثم التورط المباشر في تهريب المخدرات.
فنزويلا، في هذا السياق، لم تكن دولة عابرة. منذ عهد تشافيز، فُتحت الأبواب أمام "حزب الله" ليحوّلها إلى قاعدة عمليات متقدمة. ومع وصول مادورو، توسعت هذه الشبكات بشكل غير مسبوق، مستفيدة من الفساد المستشري، وضعف المؤسسات، وتواطؤ أجهزة الدولة. شهادات مسؤولين أميركيين سابقين تؤكد أن فنزويلا أصبحت مركز ثقل لعمليات "حزب الله" في القارة، وممرًا رئيسيًا للكوكايين القادم من كولومبيا، إضافة إلى كونها منصة لتأمين جوازات سفر ووثائق رسمية لعناصر مرتبطة بـ "الحزب"، بما يسمح لهم بالتحرك بحرية وتوسيع نشاطهم المالي والأمني.
من هنا، يصبح مفهومًا لماذا اعتبرت طهران سقوط مادورو تهديدًا مباشرًا لها. فالأمر لا يتعلق برئيس "حليف" سقط، بل بانهيار حلقة مركزية في منظومة اقتصادية - أمنية عابرة للحدود، تدر مئات ملايين الدولارات سنويًا، وتُستخدم لتعويض الضغوط والعقوبات المفروضة على إيران وحلفائها. الدفاع عن مادورو، إذًا، ليس دفاعًا عن سيادة فنزويلا، بل عن استمرارية هذا الشريان المالي.
محور "الممانعة" لم يكن يومًا معنيًا بالقانون الدولي أو بسيادة الدول، إلا بقدر ما تخدم هذه الشعارات مصالحه. وعندما تسقط إحدى ركائز اقتصاد المخدرات الذي يغذيه، يكون طبيعيًا أن يرفع صوته عاليًا، لا دفاعًا عن المبادئ، بل خوفًا على شبكة مصالحه التي انكشفت أكثر من أي وقت مضى.