البروفيسور زياد حرّو

الفيزياء تشرح السياسة: هكذا تبدأ الدول بالانهيار

4 دقائق للقراءة

قد يجد أي باحث علاقة وثيقة بين العلم والسياسة. فعلم السياسة هو أحد الفروع الأكاديمية التي تدرس نظم الحكم، والسلطة، وأسس الحوكمة، ودور الأحزاب، والعلاقات الدولية. إلّا أنّ هذا المقال ينظر إلى العلاقة من زاوية مختلفة، تتصل بممارسة السياسة نفسها، وبقرارات أصحاب القرار بين فعل الصواب أو تكريس الفوضى، بالاستناد إلى أحد قوانين الفيزياء.

ينطلق هذا التحليل من القانون الثاني للديناميكا الحرارية Thermodynamics المعروف بقانون الفوضى أو الانتروبيا. ويقضي هذا القانون بأنّ كل نظام معزول تميل نسبة الفوضى فيه إلى الازدياد تلقائياً، ولا يمكن الحفاظ على النظام إلا عبر بذل جهد إضافي، أي طاقة. فالكتب تتكدّس على الطاولة إن لم تُرتّب، والمباني تتآكل إن لم تُصان، والطلاء يتقشّر مع مرور الوقت. حتى أعضاء الإنسان تتدهور وظائفها تدريجاً، يفقد الجلد مرونته، وتضعف القدرات الإدراكية نتيجة فقدان الخلايا العصبية، وصولاً إلى الفوضى التامة التي تتمثل بالموت.

الأمر نفسه ينطبق على الكون. فمنذ الانفجار الكبير، انتقل الكون من حالة فائقة التنظيم إلى مسار متدرّج من التبعثر، حيث تتباعد المجرّات عن بعضها البعض، ومع مرور دهر طويل قد ينتفي أي شكل من أشكال التنظيم في هذا الفضاء اللامحدود.

في مواجهة هذا المسار الطبيعي نحو الفوضى، يبرز العقل البشري كعنصر مقاومة أساسي. فالإنسان يحوّل الأصوات العشوائية إلى نوتات موسيقية تخلق سمفونيات، ويشق الطرق، وينظّم السير، ويصون المباني والمنشآت، في محاولة دائمة لفرض النظام. يمكن، من هذا المنطلق، توصيف الحياة اليومية على أنها صراع مستمر مع الفوضى، يتطلّب جهداً دائماً للحفاظ على الحد الأدنى من الانتظام.

انطلاقاً مما تقدّم، يمكن إسقاط هذا المنطق على الأنظمة السياسية. فكل نظام سياسي لا يُدار بكفاءة يميل تلقائياً إلى الفوضى: يتراكم الفساد، تنهار المؤسسات، وتتفاقم الصراعات الداخلية. إنّ الحكم الرشيد، كأي نظام سليم، يحتاج إلى إصلاحات مستمرة، أي إلى بذل طاقة، من أجل تطبيق العدالة، وتعزيز سيادة القانون، واستثمار موارد الدولة في البنى التحتية والتنمية المستدامة.

تُعدّ فنزويلا مثالاً صارخاً على ذلك. فعلى الرغم من امتلاكها موارد طبيعية هائلة، ولا سيما النفط، تُصنَّف اليوم من بين الدول الأكثر فقرًا. ويعود ذلك إلى سوء الإدارة الاقتصادية، والفساد المستشري، وفشل الدولة في استثمار عائدات النفط في تنويع الاقتصاد أو تطوير الصناعات المحلية. وقد أدّى هذا المسار إلى هجرة الكفاءات، وتدهور الخدمات العامة، وانهيار العملة بفعل التضخم، فيما ساهمت العقوبات الدولية والعزلة الاقتصادية في تعميق الأزمة. مشكلة فنزويلا، إذاً، ليست في نقص الموارد، بل في غياب الحوكمة.

في المقابل، تُظهر تجربة سنغافورة كيف يمكن للإدارة الحكيمة أن تنقل دولة من الفقر إلى مصاف الدول المتقدّمة. ففي ستينيات القرن الماضي، كانت سنغافورة دولة فقيرة تفتقر إلى الموارد الطبيعية، وتعاني توترات إثنية حادّة بين مكوّناتها السكانية. إلا أنّ تولّي لي كوان يو رئاسة الحكومة شكّل نقطة تحوّل، إذ أطلق سياسة صارمة لمكافحة الفساد، واستثمر في التعليم، وجذب الاستثمارات الأجنبية، ونوّع الاقتصاد. وخلال ثلاثة عقود، تحولت سنغافورة إلى واحدة من أغنى دول العالم.

ومن العالم العربي، تبرز تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة، التي ركّزت، لا سيما في عهد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، على توظيف الثروة النفطية في بناء الإنسان، وتطوير البنى التحتية، والاستثمار في التكنولوجيا. واليوم، تُعدّ الإمارات مركزاً عالمياً سياحياً وتجارياً وابتكارياً.

يقف لبنان اليوم على مفترق طرق خطير بين النموذج الفنزويلي والنموذج السنغافوري. فمن جهة، تتقاطع أزمته مع عناصر الانهيار الفنزويلي: انهيار العملة، تضخم الدين العام، غياب الحوكمة، تفشي الفساد، وهجرة الأدمغة، ولا سيما بين الشباب. ومن جهة أخرى، يمتلك لبنان نقاط قوة تقرّبه من النموذج الناجح: طاقات بشرية عالية، موقع جغرافي استراتيجي على البحر المتوسط، تنوّع لغوي وثقافي، وقطاع خدمات قابل للنمو، خصوصاً في مجالات السياحة، والتعليم، والرعاية الصحية.

يبقى السؤال الجوهري: أي طريق سيسلك لبنان؟

الإجابة واضحة، وإن كانت صعبة: المسار الذي يختاره يعتمد على وجود رجالات دولة قادرة على بناء المؤسسات، وعلى دور الأحزاب السياسية في بلورة برامج إصلاحية تعزّز الحوكمة، والشفافية، ومكافحة الفساد.

وفي هذا السياق، تستعاد مقولة الفيلسوف السياسي الإيرلندي إدموند بيرك: "عندما يتآمر الأشرار، يجب على الأخيار أن يتكاتفوا، وإلا سيسقطون واحداً تلو الآخر".

 

مدير مختبر الفيزياء التطبيقية ومنسق الماستر في علوم النانو والمواد الوظيفية في الجامعة اللبنانية