شربل صيّاح

لو كنتُ سياديًا ساذجًا

4 دقائق للقراءة

لو كنتُ سياديًا ساذجًا،

لكنتُ انتظرتُ اليوم الذي يهبط فيه الخلاص من السماء على متن طائرة رئاسية،

أو يخرج من تصريحٍ لمسؤولٍ أميركي،

أو من تغريدةٍ لرئيسٍ سابق أو قادم،

وأقنعتُ نفسي أن السياسة تُدار بالنيات الطيبة، وأن التاريخ يُصلح أخطاءه اعتذارًا.

لو كنتُ سياديًا ساذجًا، 

لآمنتُ أن الدولة المركزية كيانٌ أخلاقي بحد ذاته،

وأن من يجلس على رأسها—أيّاً كان—يستحيل أن يكون جزءًا من المشكلة،

وأن النخب السياسية، لمجرد أنها "نخب"، لا يمكن أن تكون شريكة في الانهيار أو التواطؤ.

لو كنتُ سياديًا ساذجًا،

لكنـتُ احتضنتُ "حزب الله".

لا قناعةً، بل حسابًا.

وسمّيتُ ذلك "ميثاقية"،

وتغنّيتُ بـ"السلم الأهلي"،

ودعوته إلى "مصالحة ومصارحة"

واختبأتُ خلف لغة التوافق

كي لا أضطرّ يوماً إلى قول ما أعرفه.

كنتُ سأصنع لنفسي منطقة رمادية أنيقة،

لا تُغضب أحدًا،

ولا تُلزم أحدًا،

ولا تطلب منّي سوى البقاء.

فالرمادي ليس موقفًا،

إنه أسلوب بقاء.

به أحتفظ بمنصبي،

وبصورتي العابرة للطوائف،

وبحقّي غير المكتوب

في الظهور في كل مشهد

من دون أن أُحاسَب على أي خيار.

لأن، لنكن صريحين،

من يريد فعلاً أن يتحمّل كلفة بناء الدولة؟

بناء الدولة ليس مشروع إصلاح،

بل مشروع محو.

يمحو الإعلامي الهش

الذي يعيش على الإيحاء لا الجرأة،

ويمحو السياسي الذي يتقن الغموض أكثر من القرار،

ويمحو الشخصيات الظاهرية الفارغة

التي لا تلتقي إلا لأنها لم تقل شيئاً حاسمًا يومًا.

الدولة، حين تُبنى،

لا تحتاج وجوهاً مألوفة،

ولا رموزاً اجتماعية،

ولا مواقف شفهية قابلة لإعادة التدوير.

تحتاج وضوحًا يجرح،

واختيارات لا تسمح بالعودة إلى المنتصف.

وهنا المأزق الحقيقي، غير المعلَن:

كيف سنقف معاً في قدّاس مار مارون

لو وُجدت الدولة فعلاً؟

لو سُمّيت الأشياء بأسمائها،

ولو لم يعد ممكنًا

إخفاء الحقيقة خلف الطقوس والمناسبات؟

السذاجة ليست في الخوف من الانقسام،

بل في تحويل التعايش

إلى آلية لحماية الفراغ.

لكن السذاجة، في السياسة، ليست براءة… بل عجز عن القراءة.

السيادي الساذج لا يرى الدولة كميزان قوى،

بل كأيقونة.

لا يفهمها كمؤسسات تُخترق وتُفرَّغ،

بل كصورة جميلة يعلّقها على الجدار وينتظر منها المعجزات.

وهنا تقع الخطيئة الكبرى:

السيادية التي تتحوّل إلى عبادة أشخاص.

ما يمكن تسميته، بلا مواربة،

الفدرالية الشخصية – Personal Federalism:

حيث تُختصر الدولة في شخص،

والسيادة في زعيم،

والخلاص في اسم،

ويُبنى المشروع السياسي كله على انتظار فرد "نظيف" أو "قوي" أو "مدعوم".

كأن المشكلة في لبنان كانت دائماً اسم الرئيس،

لا طبيعة النظام.

كأن العلّة في الوجوه،

لا في البنية.

لو كنتُ سياديًا ساذجًا،

لصدّقتُ أن تصريحاً لوزير الخارجية الأميركي—مهما علا شأنه—هو إشارة بدء لمعركة خلاص كونية من أجل لبنان.

لكن ماركو روبيو قالها بوضوح فجّ:

ما جرى في فنزويلا، وما يُتداول عن مادورو، لا يشبه العراق، ولا يشبه أي سيناريو تدخّل كلاسيكي.

ومع ذلك، ما زال بعض السياديين يتصرّفون كأن ترامب سيستيقظ ذات صباح،

ويتذكّر "ثرثرة بعض اللبنانيين في واشنطن"،

فيقرّر خنق طهران…

تحرير بيروت…

وترتيب السيادة مع القهوة الصباحية.

هذه ليست سياسة.

هذه أوهام.

لو كنتُ سيادياً ساذجاً،

لنسيتُ أن الولايات المتحدة—التي لا تخجل من الاعتراف بمنطق المصالح—

هي نفسها التي رعت تسوية عام 1990،

وسلّمت لبنان، ببرودة أعصاب، إلى الوصاية السورية.

أي عقل سياسي يصدّق أن القوة نفسها

ستعود فجأة لتُخلّصنا؟

السذاجة هنا ليست في حب السيادة،

بل في فهمها كمنحة خارجية.

أما الحقيقة، فهي أبسط وأقسى:

لا أحد سيخلّص لبنان إذا لم يقرّر اللبنانيون ذلك بأنفسهم.

السيادة مشروع طويل، متعب، داخلي.

يبدأ حين نتوقّف عن البحث عن منقذ،

ونبدأ ببناء قوة.

وأول خطوة في هذا الطريق؟

أن نتوقّف عن أن نكون…

سياديين ساذجين.