د. جوسلين البستاني

الإسناد الإعلامي كامتداد للنفوذ الإيراني

6 دقائق للقراءة

لم تقتصر الانتفاضة الإيرانية، التي اندلعت مؤخرًا، على ساحات المواجهة في شوارع المدن الرئيسية، بل فضحت أيضًا واحدة من أشدّ حملات التضليل الإعلامي شراسةً وتنظيمًا في تاريخ المنطقة الحديث. فإلى جانب الدور المركزي الذي تؤدّيه وسائل الإعلام الرسمية والأجهزة الأمنية الإيرانية في إدارة هذه الحرب الدعائية، برزت وسائل الإعلام اللبنانية الموالية لـ "حزب الله"، كأداة أساسية في إعادة إنتاج روايات طهران وتعميمها ومنحها غطاءً زائفًا من المصداقية. ويعكس هذا التواطؤ بوضوح طبيعة المنظومة الإعلامية الإيرانية التي لا تعترف بالحدود السيادية، بل تعمل كشبكة عابرة للدول، تُسخَر عبر حلفاء أيديولوجيين لفرض سردية النظام وتبرير قمعه في مختلف أنحاء الشرق الأوسط.

منذ اللحظات الأولى للاحتجاجات، سارع النظام الإيراني إلى نزع طابعها الشعبي والاجتماعي، مصوّرًا إيّاها لا كحراك داخلي عفوي، بل كمؤامرة خارجية محبوكة تقف خلفها الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاؤهما الإقليميون. ولم تتأخر وسائل الإعلام اللبنانية التابعة لـ "حزب الله" في تبني هذا الخطاب، بل تولّت ترديده بحذافيره، فأعادت تدوير روايات الدولة الإيرانية من دون أي حدّ أدنى من التدقيق أو المساءلة، ومرّرتها إلى الجمهور العربي على أنها حقائق دامغة لا تقبل الجدل.

انصبّ تركيز أكثر الروايات على نزع الشرعية عن المتظاهرين بصورة منهجية ومقصودة. فجرى توصيفهم بشكل مُتكرّر باعتبارهم "مُشاغبين" و"مُخرّبين" أو مُجرّد أدوات بيد أجهزة الاستخبارات الغربية، في محاولة واضحة لتجريدهم من أي صفة شعبية أو مطلب اجتماعي مشروع. وترافقت هذه اللغة التحريضية مع سيل من الادعاءات التي زعمت ارتباط قادة الاحتجاجات بدوائر ملكية، أو بجماعات معارضة في المنفى، أو حتى بمنظمات مُتطرّفة، من دون تقديم أي أدلّة قابلة للتحقق. وفي عدد من الحالات، استُشهِد بتقارير زعمت أن الهتافات التي سُمعت خلال التظاهرات مفبركة أو أُدخلت بشكل مصطنع عبر التلاعب الرقمي أو باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وقد أدّت هذه السردية وظيفة مزدوجة: التشكيك في صدقية مشاهد الاحتجاجات من جهة، وتحويل وسائل التواصل الاجتماعي إلى "ساحة حرب" مزعومة تُهيمن عليها عمليات نفسية أجنبية، بما يخدم تبرير القمع وشيطنة أي تعبير شعبي مُستقل.

وبلغ هذا الخطاب ذروته عندما اتهم مُمثل المرشد الإيراني في مدينة مَشهد علنًا وسائل الإعلام الإسرائيلية وغيرها من وسائل الإعلام التابعة لـ "الأعداء" بتصوير حشود عادية أو محايدة، ثم توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتركيب شعارات مناهضة للنظام عليها. ولم تكن الغاية من هذه الادعاءات سوى تعميم الشكّ، وتهيئة الرأي العام لتصديق أن الغضب الشعبي ليس إلا خدعة رقمية مُتقنة، لا تعبيرًا حقيقيًا عن رفض داخلي متصاعد.

وقد شكّل الهوس بما سُمّي "التضليل التكنولوجي" أحد أكثر الجوانب فجاجةً وانكشافًا في تغطية وسائل الإعلام اللبنانية التابعة لـ "حزب الله"، التي ادّعت أن مقاطع فيديو مُفبركة، أُنتجت بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي والتلاعب الصوتي، تُوظَف لاختلاق مشاهد وهمية عن معارضة شعبية واسعة، بهدف التقليل من حجم الانتفاضة وأهمّيتها. وقد دأبت هذه الوسائل على الترويج لادعاءات تفيد بأن المشاركة لم تتجاوز بضعة آلاف من الأفراد على امتداد البلاد، في تناقض صارخ مع تقارير الصحافيين المُستقلّين، ومنظمات حقوق الإنسان، ومع الأدلّة المرئية التي تُوثق استمرار التعبئة الجماهيرية في عدد من المحافظات.

وتعكس هذه المقاربة التقليلية نمطًا مألوفًا سبق واستخدم في الماضي في تغطية الاحتجاجات في لبنان وسوريا عندما كانت تتعارض مع موقف "حزب الله"، ما يُشير إلى استراتيجية إعلامية مُتكرّرة وقابلة للتعميم: نزع الشرعية الشعبية، والتأكيد على الهامشية، وتصوير الاضطرابات بوصفها أحداثًا عابرة أو مُصطنعة بفعل تدخلات خارجية.

بالتالي، مضت وسائل الإعلام اللبنانية التابعة لـ "حزب الله" في رفع هذه الاتهامات إلى مستوى سردية شاملة، مفادها أن حركة الاحتجاج برمّتها ليست سوى وهم إعلامي مُصنع، غذته منصّات "معادية" مثل إنستغرام وتيليغرام والمحطات الفضائية. ومع أن وجود محتوى مُعدَّل أو مُفبرك يشكّل بالفعل تحدّيًا حقيقيًا في النزاعات المُعاصرة، تعمّدت تغطية هذه الوسائل تجاهل الكمّ الهائل من اللقطات الموثقة، التي جرى التحقق منها وتحديد مواقعها الجغرافية، والتي أنتجها مواطنون إيرانيون من داخل البلاد.

بالطبع، لا يمكن فصل هذا الخط التحريري عن التوافق الأيديولوجي العميق بين إيران و"حزب الله"، بوصفه امتدادًا عقائديًا-استراتيجيًا للدور الإقليمي الإيراني. من هنا، إن أي انتفاضة شعبية ناجحة ضدّ النظام الإيراني تُمثل تهديدًا رمزيًا وسياسيًا مباشرًا لما يُسمّى بـ"محور المقاومة". وانطلاقًا من ذلك، لم تتعامل وسائل الإعلام اللبنانية الموالية لـ "حزب الله" مع الاحتجاجات الإيرانية بوصفها شأنًا داخليًا إيرانيًا، بل كجبهة مُتقدمة في صراع جيوسياسي أوسع. وفي هذا السياق، لجأت التغطية الإعلامية مرارًا إلى تخويف الجمهور العربي، مُحذرة من أن ما يجري في إيران ليس سوى "بروفة" لسيناريوات مشابهة تهدف إلى زعزعة الاستقرار في ساحات أخرى، وفي مقدّمها لبنان، في محاولة لتأطير أي حراك شعبي مُحتمل باعتباره جزءًا من مؤامرة إقليمية لا تعبيرًا عن مطالب داخلية مشروعة.

والأخطر من ذلك،  أن تلك التغطية لم تكن جهدًا معزولًا أو اجتهادًا تحريريًا منفردًا، بل جاءت ضمن منظومة إعلامية مُنسّقة تربط بين وسائل الإعلام الإيرانية، مثل Press TV وTasnim وFars، والمنصّات التابعة لـ "حزب الله" في لبنان. وقد جرى تداول المحتوى بسلاسة لافتة بين هذه القنوات، غالبًا بالنصوص والمرئيات ذاتها، ونقاط الخطاب المُتطابقة. ويكشف هذا التزامن عن روابط مؤسسية أعمق، إذ استثمرت إيران منذ سنوات في تدريب كوادر إعلامية حليفة، وفي دمج استراتيجيات التواصل والدعاية بين الفاعلين الحكوميين وغير الحكوميين، بما يضمن إنتاج خطاب موحّد عابر للحدود يخدم سردية النظام ومصالحه الإقليمية.

أخيرًا، لم تكتفِ وسائل الإعلام اللبنانية الموالية لـ "حزب الله" بتطبيع القمع، بل أعادت تأطير الانتفاضة الإيرانية إعلاميًا بما يُفرغها من بُعدها الاحتجاجي. أما المؤكَّد، فهو أن حرب التضليل باتت تُشن عبر شبكات إعلامية أيديولوجية عابرة للحدود، تعمل بتوافق وثيق مع السلطات الاستبدادية.

لكن إذا كان عام 2024 قد فضح كلفة الإسناد العسكري، والحرب التي رُوّج لها بوصفها دعمًا لغزة وانتهت إلى تدمير القطاع، وإلى إضعاف غير مسبوق لـ "حزب الله" سياسيًا وعسكريًا، فإن عام 2026 سيفضح عبثية الإسناد الإعلامي، حين يُقدَّم الولاء على الواقع، وتُستبدل الحقيقة بالانضباط الأيديولوجي.