الدكتور سايد حرقص

سنة على قرار حصر السلاح.. أين التنفيذ؟

4 دقائق للقراءة

​مرّ عامٌ كامل على اللحظة التي أرادت فيها الحكومة اللبنانية أن تُسجّل لنفسها إنجازًا سياديًا تاريخيًا: قرار حصر السلاح بيد الدولة. عامٌ مضى منذ الخامس والسابع من آب 2025، حين أعلنت السلطة أن زمن ازدواجية القرار الأمني والعسكري قد انتهى، وأن الجيش بصدد وضع خطة تنفيذية لاستعادة حصرية القوة والقرار. لكن بعد انقضاء هذه السنة، تبدو الحقيقةُ المُرّة أشدّ قسوةً من الواقع المعقد؛ لقد أعلنت الحكومةُ السيادةَ إعلاميًا، لكنها عجزت حتى اللحظة عن ترجمتها واقعًا ملموسًا على الأرض.

​ففي الخامس والسابع من آب، كُلّف الجيش بإعداد خطة تنفيذية لحصر السلاح بيد الدولة، وفي الخامس من أيلول، رحّب مجلس الوزراء بالخطة ومراحلها مطالبًا بتقارير شهرية ترصد مسار التنفيذ. بدا المشهدُ يومها وكأن السلطة السياسية حسمت أمرها باستعادة القرار العسكري، وأن المؤسسة العسكرية بصدد الترجمة الميدانية. لكن اليوم، من حق اللبنانيين أن يطرحوا السؤال الأبسط والأكثر إحراجًا: ما الذي نُفِّذ فعليًا؟

​منذ اللحظة الأولى، اصطدم القرار برفضٍ قاطع من "حزب الله"، الذي اعتبر الإعلان بمثابة "خطيئة كبرى"، ورفض أي بحث جدي في جدول زمني لتسليم السلاح. هذا الرفض جرد الحكومة من آخر ورقة تين أمام المجتمع الدولي وأظهرها بمظهر العاجز؛ فكيف لحكومة شرعية أن تتخذ قرارًا سياديًا لا تمتلك أدوات فرضه؟

​وبعد عام، نسي الجميع القرارات، وغطى غبار القرى المدمرة والتفجيرات اليومية على كل شيء. طوال اثني عشر شهرًا، لم يشهد اللبنانيون أي مظاهر لتسليمٍ منظم لسلاح "حزب الله" وفق جدول معلن، ولا لتفكيك بنيته العسكرية، ولا حتى عن آلية واضحة طرحها الجيش يستطيع المواطن من خلالها قياس التقدم المحرز. ورغم إعلان الجيش اللبناني في كانون الثاني 2026 عن تحقيق أهداف المرحلة الأولى جنوب الليطاني، تبين لاحقًا عدم دقة ألمعلومات التي وردت في بيان النؤسسة العسكرية مع اندلاع المواجهات الشاملة عقب قرار حزب الله إسناد إيران.

​أمام هذا الواقع، تبدو صورة الدولة هزيلة إقليميًا ودوليًا. وإذا كان تنفيذ القرار السيادي مرهونًا بموافقة الطرف المكلّف بالخضوع له، يغدو السؤال أكثر مشروعية: من يقرر فعلًا في لبنان.. الحكومة أم حزب الله؟ وهل يُعقل أن تستمر دولة بقرارين عسكريين وسياسات دفاعية مزدوجة، يمتلك فيها كل طرف قدرة إعلان الحرب، ثم يُطلب من اللبنانيين تصديق أن السيادة مكتملة؟

​إن الوقت قد حان لمساءلة السلطة، واللبنانيون اليوم لا يحتاجون إلى بيانٍ جديد يكرر نغمة "حصرية السلاح"، بل إلى كشف حسابٍ شفاف يوضح ما الذي أُنجز فعلًا، وما هو الجدول الزمني المتبقي، وما هي الآليات التنفيذية، ولماذا كان الفشل وما هي خطة التصحيح. لقد شبع اللبنانيون من الخطب الإنشاءية والوعود المفتوحة، ولم يعد مقبولًا أن تُتخذ عبارة "المرحلة المقبلة" شماعةً للتأجيل، أو أن يحل الحوار المفرغ من مضمونه بديلًا عن التنفيذ، أو أن تُتخذ الظروف الإقليمية ذريعة لتعليق السيادة إلى أجل غير مسمى.

​إن أخطر ما يمكن أن يبتلي به لبنان هو أن يعتاد أبناؤه الفجوة العميقة بين ما تعلنه الدولة وما تستطيع فعله، وأن تتحول القرارات السيادية إلى مجرد مناسبات إعلامية، والخطط إلى أوراق تُطوى، والمهل إلى مواعيد لا تنتهي. فحصرية السلاح بيد الدولة ليست مطلبًا لفريق دون آخر، بل هي ألف باء قيام أي دولة طبيعية. لكن السيادة لا تُمنح ولا تُعلن في البيانات، بل تُفرض بالقانون، وتُحمى بالمؤسسات، وتُثبت بالميدان.

​إن الخامس والسابع من آب لا يجب أن يمرّا كذكرى لقرارٍ احتفلت به الحكومة، بل كمناسبة لمساءلتها عن الفشل. واليوم تبدو المعادلة جليّة: الحكومة أعلنت "سيادة ورقية".. والوطن يتآكل بانتظار التنفيذ. وتبقى علامة الاستفهام الكبرى التي لا تستطيع السلطة التهرب منها: هل تملك الدولة القدرة والإرادة لتنفيذ قرارها، أم أن كل ما أُعلن لم يكن سوى سراب سيادي؟