حيدر الأمين

حصرية السلاح ليست خيانة: بناء الدولة طريق السيادة

6 دقائق للقراءة

في لبنان، يتكرّر خطاب يعتبر أن السلاح خارج الدولة هو الضمانة الوحيدة للسيادة، وأن أي نقاش حول حصرية السلاح يُصوَّر على أنه مشروع أميركي-إسرائيلي أو طعن بالمقاومة. هذا الخطاب، على الرغم من انتشاره، لا يصمد أمام تحليل منطقي ووطني هادئ، بل يساهم عمليًا في تعطيل قيام الدولة بدل حمايتها.


تفكيك المسلّمات

يرتكز هذا الخطاب على ثلاث مسلّمات أساسية:

أولًا، أن نزع السلاح مطلب خارجي معادٍ للبنان.

ثانيًا، أن السيادة لا تتحقق إلا بسلاح خارج مؤسسات الدولة.

ثالثًا، أن الدولة عاجزة بطبيعتها ولا يمكنها حماية شعبها.

لكن هذه المسلّمات ليست حقائق مطلقة، بل خيارات سياسية خضعت ولا تزال للنقاش في كل الدول الخارجة من نزاعات أو احتلال.


حصرية السلاح: مبدأ دولتي لا مؤامرة

حصرية السلاح بيد الدولة ليست بدعة غربية ولا مطلبًا استعماريًا، بل قاعدة دستورية في أي كيان سياسي قابل للحياة. فجميع الدول التي واجهت احتلالًا أو نزاعات داخلية انتهت، عاجلًا أم آجلًا، إلى دولة واحدة وسلاح واحد.

والسؤال الجوهري هنا:

إذا كان مطلب حصرية السلاح خيانة، فهل كانت الدولة اللبنانية خائنة حين أقرّت اتفاق الطائف الذي نصّ صراحة على حصر السلاح بيدالشرعية؟


السيادة لا تُجزّأ

لا يمكن الحديث عن دولة مستعادة بينما يبقى قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها. وجود سلاح خارج الدولة:

يعرّض لبنان لحروب لا يقررها اللبنانيون،

يمنع قيام اقتصاد مستقر،

ويضعف الجيش بدل أن يقوّيه.

السيادة الحقيقية تعني قرارًا واحدًا، وسلطة واحدة، وجيشًا واحدًا.

مغالطة “السلاح يحمي الناس”

أثبتت التجربة اللبنانية أن السلاح لم يمنع الاعتداءات، بل حوّل لبنان إلىساحة دائمة للصراعات. حماية الناس لا تتحقق بمنطق المواجهة المفتوحة، بل عبر:

دولة قوية،

جيش فعلي ومدعوم،

ودبلوماسية قادرة على تحصيل الحقوق لا تجميدها.


التخويف من الفتنة

استخدام “الفتنة” لإسكات النقاش هو أخطر أشكال الفتنة نفسها. فالاختلاف السياسي ليس خيانة، وبناء الدولة لا يكون بمنع الأسئلة بل بإدارتها داخل المؤسسات. أما اتهام شريحة واسعة من اللبنانيين بالعمالة لمجرد مطالبتهم بدولة، فهو وصفة لتفكيك المجتمع لا لحمايته.

حركة أمل بين فكر الإمام موسى الصدر وميثاقها التأسيسي

من الضروري، من باب التحليل لا الاتهام، التمييز بين فكر الإمام موسى الصدر التأسيسي وخيارات سياسية لاحقة اعتمدت في مراحل مختلفة. فقد أسّس الإمام الصدر حركة أمل كإطار وطني لبناني، هدفه بناء الدولة العادلة ودمج الطائفة الشيعية في مؤسساتها، انطلاقًا من قناعته بأنلبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، وأن حماية الطوائف لا تكون بعزلها أو تسليحها خارج الدولة، بل بجعل الدولة قادرة وعادلة تجاه الجميع. وقد عبّر ميثاق حركة أمل بوضوح عن هذا التوجّه، حين ربط المطالبة بالحقوق الاجتماعية والسياسية بالعمل داخل المؤسسات الشرعية، وأكّد أولوية الوحدة الوطنية، ورفض تحويل الطوائف إلى كيانات مغلقة أو مشاريع قائمة بذاتها. فالمنطق الذي حكم الميثاق كان واضحًا: لا خلاص خارج الدولة، ولا كرامة لطائفة خارج الإطار الوطني الجامع.

بعد انتهاء الحرب الأهلية وإقرار اتفاق الطائف، دخل لبنان مرحلة كان يُفترض أن تُستكمل فيها هذه الرؤية عبر ترسيخ الدولة كمرجعية وحيدة للسلاح والقرار. غير أن خيارات سياسية تكرّست منذ منتصف التسعينات، في ظل ظروف إقليمية وداخلية معروفة، أدّت بحكم الوقائع لا النوايا إلى تثبيت تحالف طويل الأمد حصر حركة أمل ضمن مسار استراتيجي واحد، ما حدّ من قدرتها على التعبير عن استقلاليتها التاريخية ودورها التعددي في الحياة الوطنية.

ترافق هذا المسار مع تراجع تدريجي لدور عدد من القيادات والكوادر التي شكّلت العمود الفقري للحركة في مراحلها الأولى، لا سيما تلك المرتبطة بالعمل النقابي والبلدي والمؤسساتي، والتي دفعت أثمانًا كبيرة خلال الحرب وبعدها، بين من استُشهد دفاعًا عن قناعاته الوطنية، ومن جرى تهميشه أو إبعاده عن الحياة السياسية العامة. الإشارة إلى هذا الواقع لا تهدف إلى تحميل مسؤوليات شخصية، بل إلى توصيف تحوّل بنيوي في طبيعة الدور السياسي للحركة.


التاريخ الحركي بين الذاكرة والقراءة السياسية

في سياق هذا النقاش، من المهم التمييز بين التاريخ الحركي لحركة أمل بوصفه تجربة تأسيسية، وبين القراءات التي تشكّلت له في مراحل لاحقة. فالتاريخ، بطبيعته، لا يُنقل ككتلة واحدة ثابتة، بل يُعاد فهمه في ضوء التحوّلات السياسية والاجتماعية التي تمرّ بها الحركات والأجيال المتعاقبة. الأجيال التي انخرطت في حركة أمل في مراحل لاحقة نشأت في ظروف مختلفة، وحملت معها أولويات ورؤى نابعة من واقعها السياسي والأمني. وهذا أمر مفهوم في سياق تطوّر أي حركة سياسية. غير أن الإشكالية تبرز حين تُقدَّم قراءة واحدة لهذا التاريخ بوصفها التعبير الكامل والوحيد عن التجربة التأسيسية، من دون الإقرار بالتنوّع الذي ميّز نشأة الحركة وخطاب مؤسسها وميثاقها. إن الحفاظ على تاريخ حركة أمل لا يكون بتجميده ولا بنقله حرفيًا إلى الحاضر، بل بفتح المجال أمام مقاربته نقديًا، وربط شعاراته التأسيسية وفي مقدّمها مركزية الدولة والوحدة الوطنية بالنقاش الراهن حول السيادة ودور المؤسسات. فالتاريخ الحركي،حين يُحاط بالنقاش لا بالتقديس، يبقى عنصر قوة لا مصدر انقسام.


التمييز لا يعني الانقسام

الدعوة إلى التمييز بين حركة أمل وحزب الله ليست دعوة إلى قطيعة أو صدام، ولا محاولة لزرع انقسام داخل الطائفة الشيعية، بل دعوة سياسية مشروعة للاعتراف بتمايز تاريخي وفكري بين حركتين نشأتا في ظروف مختلفة، وحملتا منذ البداية رؤيتين غير متطابقتين لدور الدولة وموقعها. فالتحالفات السياسية ليست عقائد ثابتة، بل خيارات قابلة للمراجعة. والاعتراف بالتعدد داخل الطائفة الواحدة يحميها من الاختزال، ويمنع تحويل أي خيار سياسي إلى قدر لا يُمسّ.


سياسة "تفادي الفتنة" وتعطيل السياسة

التحجج الدائم بشعار “منع الفتنة” لتعليق أي نقاش جدي حول مشروع الدولة أدّى عمليًا إلى تجميد السياسة بدل إدارتها. فالفتنة لا تُمنع بإلغاء الخلاف، بل بتنظيمه داخل المؤسسات، أما الاستقرار القائم على إسكات الأسئلة فليس إلا استقرارًا هشًا على حساب الدولة.


الخلاصة

حصرية السلاح ليست خيانة ولا مشروعًا خارجيًا، بل شرط أساسي لبناء دولة قادرة على حماية شعبها واستعادة سيادتها. الطوائف لا تُحمى بالسلاح، بل بدولة عادلة وقادرة. ولبنان لا يُنقذ بإدامة الاستثناء، بل بإنهائه. هذا النقاش لا يستهدف قوى أو تحالفات بعينها، بل يسعى إلى إعادة الاعتبار لمنطق الدولة كمرجعية وحيدة للسلاح والقرار. الدولة الواحدة ليست تهديدًا لأحد، بل الضمانة الوحيدة للجميع.