الدكتور سايد حرقص

"دومينو" الانهيار بدأ...من سيبقى واقفاً بعد هدوء العاصفة؟"

3 دقائق للقراءة

لم تكن أحداث فنزويلا مجرّد خبر عابر في نشرة دولية؛ فما جرى في كاراكاس شكّل زلزالاً سياسياً وأمنياً خطف أنظار العالم، وحمل رسالة أميركية حازمة بأن زمن الاكتفاء بالعقوبات والبيانات قد ولّى. في ساعات قليلة، حسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب معركةً كانت تُصنَّف حتى الأمس القريب ضمن "المستحيلات"؛ حيث أُوقِف نيكولاس مادورو وزوجته في عملية عسكرية خاطفة نفّذتها قوات "دلتا"، وتم ترحيلهما إلى الولايات المتحدة تمهيداً لمحاكمتهما.

هذه الضربة أرادها الرئيس الأميركي ضربة قاصمة لـ "طريق المخدرات" التي تنطلق من الشرق الأوسط لتخترق السوق الأميركية عبر شبكة معقدة، تشترك فيها منظمات قوية ومحمية في فنزويلا وكولومبيا.

كشفت العملية السريعة حجم الوهن الذي أصاب ما يُسمّى "محور الممانعة"؛ هذا المحور الذي طالما بالغ في استعراض قوته، اهتزت صورته عند أول اختبار جدّي. فبعد السقوط الدراماتيكي لنظام بشار الأسد في سوريا، جاء سقوط مادورو في فنزويلا ليزلزل أركان حلفاء طهران، كونه يقطع أحد الروافد المالية والسياسية الحيوية لأذرع المحور الإيراني في القارة اللاتينية.

في طهران، بدا أن الرسالة وصلت بوضوح؛ وبالرغم من أن المرشد الإيراني علي خامنئي اختار التصعيد الكلامي، معلنًا أن إيران لن تستسلم لأي عدو، إلا أن الخوف بدا واضحاً في تصرفات النظام؛ خوف من الأصوات التي تصدح في الداخل بمطالب التغيير ورحيل النظام، وخوف من مفاجآت ترامب التي لا تشبه أي صندوق سياسي تقليدي.

أما في بيروت، فقد سارع "حزب الله" إلى إدانة عملية خطف مادورو، واصفاً إياها بـ "العدوان الإرهابي والبلطجة الأميركية". لكن خلف ضجيج هذه الإدانة، يقرأ المراقبون قلقاً وجودياً عميقاً يتجاوز فكرة التضامن المبدئي؛ قلقاً من سيناريوهات مشابهة قد تستهدف رؤوساً أخرى في المنطقة.

وسط هذا المشهد المتغيّر، يقف لبنان مجدداً على خط الزلازل، تحت وطأة الغارات اليومية، بانتظار اتضاح معالم "خطة العمل العسكري" التي تم التوافق عليها في قمة ترامب - نتنياهو. وفي المقابل، يترقب الداخل اجتماع مجلس الوزراء اللبناني بحضور قائد الجيش لإعلان انتهاء المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح جنوب الليطاني، بالتزامن مع ترقّب اجتماعات لجنة الميكانيزم الدولية لمتابعة تنفيذ وقف إطلاق النار.

ميدانياً، لا تزال الغارات الإسرائيلية تواصل استهداف عناصر حزب الله، ترافقها عمليات تمشيط نارية مكثفة ترهب الأهالي، في حين يكتفي حزب الله بالخطابات والعنتريات الكلامية.

هكذا، يبدو لبنان اليوم عالقاً بين نارين: نار الغارات التي لا تهدأ، ونار الانتظار القاتل؛ انتظار ما ستقرره واشنطن تجاه رأس الهرم في طهران، وانتظار ترجمات قمة ترامب - نتنياهو على الأرض، وانتظار التعليمات الإيرانية الأخيرة لمواجهة العاصفة.

لبنان اليوم لا يعيش فقط على نار الغارات، بل هو أمام مفترق مصيري؛ حيث لم يعد السؤال: "هل ستأتي العاصفة؟"، بل: "من سيبقى واقفاً بعد هدوء العاصفة؟".