فتات عيّاد

من إدارة التوازنات إلى "كلفة القرار"

سنة بين خطاب القسم والتنفيذ

13 دقيقة للقراءة

حادث سير واحد ليلة رأس السنة، افتتح به العام الجديد. بداية أمنية موفقة للعام الثاني من عهد الرئيس جوزاف عون، الذي أقسم بأن "أسهر على تفعيل عمل أجهزة القوى الأمنية على اختلاف مهامها كأداة أساسية لحفظ الأمن وتطبيق القوانين".

حادث السير الذي افتتح به العهد لم يكن مهمًا أين وقع، شمال الليطاني أم جنوبه، على عكس مهمة حصر السلاح بيد الجيش: هنا تصبح الجغرافيا عنصرًا حاسمًا، ويتحوّل الليطاني إلى خط فاصل بين قرار يمكن فرضه جنوبًا تحت ضغط الإلتزامات الدولية، وقرار يُدار ببطء وتدرج أكبر شمالًا حيث كلفة القرار داخلية، على وقع انحسار دور سلاح "حزب الله" "داخليًا.

بين صرامة تطبيق القانون، والتدرّج المحسوب في القرار وفق توازنات السياسة اللبنانية، ما هي أبرز المحطات التي طبعت العام الأول للعهد تحت سقف خطاب القسم؟


الانتخابات البلدية: الاختبار الأول

"إذا أردنا أن نبني وطنًا، علينا أن نكون جميعًا تحت سقف القانون والدستور"، من خطاب القسم...

لم يكن إجراء الانتخابات البلدية في موعدها تفصيلًا إداريًا عابرًا في بداية عهد الرئيس جوزاف عون، بل كان قرارًا سياسيًا حاسمًا، حمل في طيّاته رسالة مزدوجة: إلى الداخل بأن الدولة لا تزال قادرة على احترام استحقاقاتها متى توافرت الإرادة السياسية، وإلى الخارج بأن لبنان، رغم أزماته المتراكمة، غير عصي على الانتظام الديمقراطي، وهو ما يذكر بلب توصيف المشكلة في خطاب القسم، وهي أنها لطالما كانت "أزمة حكم".

ففي بلد تحوّل فيه تأجيل الاستحقاقات الدستورية إلى نهج خطير يصادر الإرادة الشعبية ويُعطّل آليات المحاسبة، جاء الالتزام بهذا الاستحقاق ليشكّل أول اختبار عملي للعهد على مستوى الفعل.

غير أن أهمية هذه المحطة لا تكتمل إلا إذا قُرئت كـ "بروفة" للاستحقاق الأكبر: الانتخابات النيابية المقبلة.


المفاوض المدني: إعادة السياسة إلى يد الدولة

"عهدي أن أستعيد، مع الحكومة، الدور الكامل للدولة في حماية السيادة، وصون القرار الوطني، وحصر إدارة الأزمات والملفات المصيرية بالمؤسسات الدستورية، وفقًا لمصلحة لبنان العليا"... من خطاب القسم.

على مستوى تثبيت تنفيذ خطة وقف إطلاق النار مع إسرائيل، انتقلت الرئاسة من موقع لبنان "المتلقي" إلى موقع المبادِر. هذا التحوّل تكرّس في خطاب الرئيس في عيد الجيش، حين عرض مبادرة من ثماني نقاط مرفقة بمراحل زمنية واضحة للتنفيذ، هي نتاج تعديلات جوهرية على مسودة أفكار قدّمها الجانب الأميركي، وكان في طليعتها: وقف فوري للأعمال العدائية الإسرائيلية، انسحاب إسرائيل خلف الحدود المعترف بها دوليًا، إطلاق سراح الأسرى، وسحب سلاح جميع القوى المسلحة، بما فيها "حزب الله"، وتسليمه إلى الجيش اللبناني.

عدم تفاعل إسرائيل مع المبادرة، دفع الرئاسة إلى خطوة إضافية تمثلت بتعيين السفير السابق سيمون كرم "مفاوضًا مدنيًا"، بالتنسيق مع رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري.

خطوة أثارت استنكار "حزب الله" الذي اعتبرها تنازلًا، متناسيًا أن التنازل الفعلي حصل سابقًا وبمعيّته، يوم دخل الحرب مع إسرائيل مصادرًا قرار الحرب والسلم من الدولة، بعد تنازل عهد حليف "الحزب" الرئيس السابق ميشال عون عن حق لبنان بحقل كاريش في الترسيم البحري.

من هنا، تأتي خطوة "المفاوض المدني" كفن إدارة الممكن، في لحظة يفاوض فيها عهد جديد لتثبيت اتفاق لم يوقعه، ويحاول تحسين شروط بلد خسر عددًا كبيرًا من أوراقه التفاوضية. هي دبلوماسية مدنية تحاول إعادة السياسة إلى مكانها الطبيعي: داخل الدولة، لا خارجها.


الهيئات الناظمة: مدخل الإصلاح

للمرة الأولى، يتم  تعيين الهيئة الوطنية لتنظيم قطاع الكهرباء والهيئة المنظمة للاتصالات، والهيئة الناظمة لزراعة نبتة القنب للاستخدام الطبي والصناعي، والهيئة العامة للطيران المدني، لتنجح الحكومة في إنهاء أحد أكثر ملفات تعطيل الإصلاحات التي وقفت حجر عثرة أمام أي اتفاق مع صندوق النقد الدولي ودعم لبنان ماليًا واستعادة الثقة الدولية به.

ولعقود، جرى تعطيل إقرار الهيئات الناظمة بذريعة "التمثيل الطائفي"، فيما كان الهدف الإبقاء على سلطة وزير الوصاية، ما أسفر عن فشل قطاعات بأكملها، وفي مقدّمها قطاع الكهرباء.

التعيينات والإصطدام بالدولة العميقة

"عهدي أن أعمل مع الحكومة المقبلة على إقرار مشروع قانون جديد لاستقلالية القضاء"... من خطاب القسم.

وضعت الحكومة، آلية جديدة للتعيينات الإدارية، في محاولة لإعلاء الكفاءة على المحسوبية. غير أن الدولة العميقة، "كشرت" عن مصالحها، فلم تخلُ بعض التعيينات من التحاصص، فيما تحوّلت تعيينات أخرى إلى معارك سياسية كشفت حدود الإصلاح الممكن، كتعيين المدعي العام المالي ماهر شعيتو، عوض مرشح حركة "أمل" الأساسي زاهر حمادة، في محطة تُسجّل لوزير العدل عادل نصار.

وجاء تعيين حاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، كتثبيت واضح لدور الرئاسة في صناعة القرار. وقد تُرجم هذا التعيين بقرارات تهدف إلى إزالة لبنان عن اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، والإعلان عن إجراءات لاسترداد الأموال المحولة للخارج.

إلى ذلك، برز دور مدعي عام التمييز القاضي جمال الحجار في رفع القيود التي حالت دون سفر القاضي طارق البيطار، ما أعاد تحريك ملف انفجار مرفأ بيروت. وفي تطوّر مفصلي، أبصر أخيرًا قانون استقلالية القضاء، أو "قانون تنظيم القضاء العدلي"، النور، فيما انطلقت مسارات محاسبة على مستوى وزراء سابقين، ما أعاد النبض لشارع لبناني متعطش للعدالة والمحاسبة.

وعلى عكس عهد ميشال عون، وقع رئيس الجمهورية التشكيلات القضائية بلا تأخير، مُعيدًا شيئًا من الهيبة إلى الجسم القضائي، ومكرسًا استقلاليته.


النافعة: مفاجأة العهد الإدارية

"الإصلاح يبدأ من الإدارة، من تحديثها، ومكننتها، وحمايتها من التدخلات السياسية"... من خطاب القسم.

"إنتو عيوننا بالنافعة"، قال الرئيس جوزاف عون خلال زيارته للنافعة في الدكوانة. واتضح اليوم أن إصلاح النافعة كإنجاز للعهد والداخلية، بات يُرى "من عيون المواطنين"، ليكون بامتياز مفاجأة العهد على مستوى إصلاح الإدارة.

ووفق معلومات "نداء الوطن"، تخطى اهتمام الرئيس الشكل، لدعم سياسي كامل للخطة الإصلاحية التي وضعها رئيس مصلحة تسجيل السيارات بالوكالة العميد نزيه قبرصلي، بالتعاون مع الداخلية.

اليوم، تحققت غالبية إصلاحات المدى القريب، ودخل المدى المتوسط حيز التنفيذ مع خدمة البريد وتوسيع اللامركزية الإدارية في المعاملات. أما المدى البعيد، فينتظر المكننة الكاملة عبر التلزيم الجديد لتسجيل السيارات ومنح وتجديد رخص السوق، لتصبح غالبية المعاملات "أونلاين".

هكذا، تثبت تجربة النافعة، النموذج الفاقع للإدارة الفاسدة سابقًا، أن الإدارة اللبنانية قابلة للإصلاح عند وجود خطة إصلاحية، غطاء سياسي للإصلاح، ومكننة تُقفل أبواب الفساد والرشى. والمطلوب تعميم تجربة النافعة، لتطال مجمل الإدارة العامة.


خطة حصر السلاح: من كلفة القرار إلى كلفة تأجيله

"عهدي أن أمارس دوري كقائد أعلى للقوات المسلّحة وكرئيس للمجلس الأعلى للدفاع بحيث أعمل من خلالهما على تأكيد حق الدولة في احتكار حمل السلاح"... من خطاب القسم.

سار العهد والحكومة بإيقاع بطيء في ملف حصر السلاح، فيما كان إيقاع الرئيس نواف سلام سباقًا أحيانًا، لكن التململ من إيقاع الرئاستين كان سيّد الموقف، إلى أن عاد الحسم إلى الواجهة في جلستي 5 و7 آب 2025، حيث سلّم مجلس الوزراء الجيش اللبناني مهمّة وضع خطة تنفيذية مرفقة بمهلة زمنية لتسليم السلاح. في تلك اللحظة، لم تأبه الرئاستان بمحاولات "حزب الله" التلويح بالانسحاب من الحكومة أو بتهديده بتحريك الشارع، في اختبارٍ مباشر لصلابة القرار السياسي.

في مقاربة الدولة لملف السلاح، يبرز التمييز بين جنوب الليطاني وشماله كترجمة واقعية لحدود القرار: نجحت الدولة بإنهاء خطة جنوب الليطاني وهو ما أعلنه الجيش اللبناني أمس، فأي تراجع هناك يعرّض لبنان مباشرة لضغوط دولية ومخاطر أمنية. أما شمال الليطاني، فبقي ساحة الاختبار الأصعب للعام الثاني من العهد، حيث اختارت الدولة مقاربة التدرّج بدل الصدام، من دون إعلان مواجهة شاملة قد تفجّر الداخل في الأشهر السابقة، في محاولة لاحتواء صدام داخلي.

أمس، برز تطور جديد، مع إعلان الحكومة الشروع في إعداد خطة خاصة بشمال الليطاني، استنادا إلى تقييم تعده قيادة الجيش، يُناقش في شباط المقبل، فيما كان لافتا بالتزامن، حث عون في بيانه، الدول الصديقة والشقيقة على "الإسراع في دعم قدرات الجيش اللبناني. بما يمكّنه من مواصلة مهامه الوطنية"، وكأنه يربط قدرة لبنان على وضع مهلة زمنية، بدعم مؤسسة الجيش للنجاح بالمهمة.

فلبنان ليس جزيرة معزولة، وإسرائيل تفاوض بالنار، و "حزب الله" لن يتخلى عن منطق الدويلة إن لم تفرض الدولة نفسها بتوقيتها. من هنا يصبح السؤال: أيهما أكثر كلفة: أخذ القرار أم تأجيله؟لعل شباط المقبل سيكون كفيلا بالإجابة!


المخدرات: من الخاصرة الرخوة إلى الشريك الإقليمي

"لا مافيات أو بؤر أمنية ولا تهريب أو تبييض أموال أو تجارة مخدرات"... من خطاب القسم.

شنّت في العام الأول من العهد، حرب شرسة على المخدرات، يمكن اختصارها بثلاثة مستويات:

-التوقيفات لأبرز مروجي وتجار المخدرات، الذين استعصى توقيفهم سنوات. والمشهدية الأكثر رمزية كانت وقوع نوح زعيتر بقبضة الجيش في عملية محكمة.

-حملات أمنية مكثفة شملت معامل تصنيع كبتاغون، ومطلوبين في عمق الضاحية الجنوبية، التي اتخذها "حزب الله" معقلًا لدويلته، فكان انكشاف الغطاء الحزبي للمطلوبين.

-هذا داخليًا. أما العمليات الأمنية المشتركة مع السعودية بالتعاون مع وزارة الداخلية، فأعادت لبنان شريكًا جديًا في مكافحة التهريب وتجارة المخدرات، لا خاصرة رخوة تُصدّر الأزمات للدول العربية، ليأتي إعادة تركيب سكانر في مرفأ طرابلس ليثبت جدية لبنان بضبط معابره الحدودية.


زيارة البابا لاوون: صورة الدولة حين تنجح

شكّلت زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان، في جولته الأولى خارج الفاتيكان، محطة رمزية دينية وسياسية بالغة، أعادت لبنان إلى الضوء الدولي.

زيارة بعنوان "طوبى لفاعلي السلام"، لا يمكن فصلها عن الدور التاريخي للبابوية كحاضنة وحارسة لدولة لبنان الكبير ورسالته كعيشٍ مشترك. وقد اختصر البابا هذا المعنى بقوله إن "لا خيار سوى في نزع السلاح من القلوب، وكسر دروع الانغلاق العرقي والسياسي، وإيقاظ حلم لبنان الموحّد… ليكون نبوءة سلام في المشرق".

على مستوى الصورة، بدا لبنان قادرًا على تنظيم حدث دولي بهذا الحجم بكفاءة وانضباط مثاليين. فهل يمتد هذا النجاح إلى مستويات أعمق على مستوى إدارة الدولة وقراراتها السيادية المصيرية؟


السيدة الأولى: إعادة المعنى إلى اللقب

محطة "مشرقة" في عهد عون، لا بل في قصر بعبدا عمومًا. فالسيدة الأولى نعمت عون، أعادت البريق للقب، ليس من بوابة فن إتقان البروتوكول وهو مهنتها، بل من بوابة إضفاء المعنى عليه، معيدة "الشباب" والفاعلية للمنصب.

"لا إعادة إعمار ولا بناء دولة فعليّة إن غابت المرأة عن أروقة سلطاتها". من كلمة للسيدة الأولى في الأمم المتحدة. عون، التي أطلقت برنامج "جيل المواطنية" في المدرسة الرسمية، تثبيتًا لدولة المواطنة، هي رئيسة الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية: فهل تنجح في تكريس قولها في الأمم المتحدة، من خلال هذه الهيئة التي تعاقبت عليها زوجات وبنات رؤساء وما زالت المرأة اللبنانية محرومة حقها بمنح الجنسية لأطفالها والتمثيل السياسي العادل؟


صخرة الروشة: بين هيبة الدولة وتجنب الصدام

شكّلت صخرة الروشة محطة مفصلية انقسامية بين الرئيسين عون وسلام في السنة الأولى من العهد. فحين خالفت جمعية "رسالات" التابعة لـ "حزب الله"، كتاب محافظ بيروت مروان عبود وتعميم الرئيس نواف سلام، وأقدمت على إضاءة صخرة الروشة بصورة أمينيها العاميّن حسن نصرلله وهاشم صفي الدين، لم يقم الجيش بالتصدي لمن أضاؤوا الصخرة، ما عرّض قرار مؤسسة الجيش لانتقادات واسعة، وانقسم الشارع اللبناني المعارض لـ "حزب الله" بين معارض لهذا التعاطي، سائلًا "كيف يحصر الجيش السلاح وهو غير قادر على منع إضاءة الروشة؟"، وبين من اعتبر خطوة الجيش امتدادًا لسياسته كضامن للاستقرار الداخلي.

ولا يخفى أن المقاربة الرئاسية - الأمنية، لرئيس آتٍ من قيادة الجيش، لعبت دورًا ضامنًا للاستقرار في أكثر الظروف حساسية في عز الانهيار والثورة، وحرصت على عدم دفع الجيش إلى مواجهة أو صدام في الشارع، في حماية واضحة للمؤسسة العسكرية من كلفة سياسية وشعبية، وهو ما تجلى في تكريمه قائد الجيش العماد رودولف هيكل بتقليده وسام الأرز بعدها.

هكذا، شكلت محطة صخرة الروشة اختبارًا دقيقًا لكيفية استخدام الدولة لأدواتها. فالعهد، في عامه الأول، فضل تجنب الاستعراض القسري للقوة، حتى لو كلّفه ذلك انتقادات فورية، على حساب زجّ الجيش في مواجهة شعبية. مقاربة تُحسب على ميزان الحكمة لدى البعض، وعلى ميزان التراخي لدى آخرين، لكنها في الحالتين عكست خيارًا واضحًا: حماية المؤسسة قبل حماية صورة الرئاسة شعبويًا.


كسر العزلة 

"عهدي أن ننفتح على الشرق والغرب، وأن نقيم أفضل العلاقات مع الدول الصديقة والمجتمع الدولي، على قاعدة الاحترام المتبادل، بما يحفظ سيادة لبنان وحرية قراره"، من خطاب القسم.

زيارات عون للخارج، أعادت لبنان للخارطة الدبلوماسية. وتجلت في العام الأول للعهد بزيارة السعودية والفاتيكان وسلطنة عُمان، فيما أضفت الزيارة الأولى للسعودية بعد ثماني سنوات من الغياب اللبناني الرسمي عنها، رسالة سياسية عن إعادة وصل لبنان بعمقه العربي.


اختبار الودائع والإعمار

"وعهدي أن لا أتهاون في حماية أموال المودعين"... من خطاب القسم.

أعادت الثقة بالقضاء اللبناني في عهد عون، بعد تقويض نفوذ "حزب الله" على مفاصله، الاعتبار لمنطق الدولة، وكان تسليم فضل شاكر نفسه للقضاء أحد أبرز مؤشرات هذا التحوّل. ومع تسمية جادة زياد الرحباني، أسقط العهد اسم حافظ الأسد عن شوارع بيروت، معلنًا نهاية رمزية لحقبة احتلال بائسة.

في المقابل، لا تزال أمام العهد تحدّيات ثقيلة، في مقدّمها مسار حصر السلاح بيد الدولة على كافة أراضيها، كما يبقى ملف فلول نظام الأسد في لبنان من أضعف الملفات معالجة، في ظل غياب رؤية واضحة لتفكيك امتداداته الأمنية والسياسية، ويبقى ملف المدرسة الرسمية والجامعة اللبنانية، جرحًا نازفًا لم يأخذ حقه هذا العام في المعالجة.

أما جمعية "القرض الحسن"، الذراع المالية لـ "حزب الله"، فتنتظر قرارًا نهائيًا يضع حدًا لازدواجية الدولة والدويلة. وعلى الصعيد الاقتصادي، يواجه العهد امتحان إعادة الإعمار، إلى جانب ملف المودعين وتحدّي "قانون الفجوة المالية".

وتبقى الانتخابات النيابية المقبلة كاختبار شامل للعهد: إمّا أن تُستكمل فيها مقاربة احترام الاستحقاقات وإعادة إنتاج الشرعية، أو تتحوّل إلى محطة تعيد إنتاج المنظومة نفسها، في انتكاسة للعهد والمهل الدستورية.


بين الحَكَم والحاكم

بين وعده بتمكين الدولة من إزالة الاحتلال الإسرائيلي، وتحدي العام الثاني من عهده بعدم تجدد الحرب، يكمن الانتقال من العام الأول الذي صُبغ بحكمة الرئيس "الحَكَم"، مع نفس طويل بتفكيك الألغام السياسية، وحفظ استقرار بلد منهار في مرحلة لااستقرار شرق أوسطي، والعام الثاني، في تحدي حكمة الرئيس "الحاكم": الذي يضرب بيد من زخم شعبي ودولي ومؤسساتي.

بمعنى أدق، التحدي اليوم يبقي على بوصلة الرئيس عون ثابتة: دولة المؤسسات وسقف خطاب القسم، لكنه ينقل الحكم من إدارة الأزمة إلى مشروع بناء الدولة، التي لا تُبنى بالحكمة وحدها، بل بتوقيت القرار. فهل حان التوقيت؟