نبيل يوسف

28 كانون الأول 1968: يوم تورّط لبنان بـ"حرب إسناد"... ردّت إسرائيل بضرب مطاره

9 دقائق للقراءة
كان إجمالي قيمة الطائرات التي دُمّرت 48,8 مليون دولار

اهتزت بيروت ليل 28 كانون الأول 1968 على أصوات انفجارات تبين بعد وقت قليل أن وحدة كومندوس إسرائيلية فجرت طائرات مدنية في المطار وانسحبت.

ماذا جرى تلك الليلة وما سبقها وتلاها؟

اعتبارًا من النصف الثاني من ستينات القرن العشرين، بدأت المشاكل الاجتماعية والاقتصادية تتراكم أكثر فأكثر، وظهر النظام اللبناني شبه عاجز عن تلبية متطلبات الشعب، فنشطت الأحزاب والمنظمات والنقابات، وامتزج الصراع من أجل الحقوق الشرعية والعدالة والمساواة بين اللبنانيين مع الصراع ضد إسرائيل. وتم اللعب جيّدًا على تلك المشاكل من قبل الساعين لتغيير النظام.

دخلت الثورة الفلسطينية بكل تناقضاتها الأراضي اللبنانية، وكان من الطبيعي أن تستقطبَ معظمَ الذين اعتبروا أنفسهم من المحرومين من الحقوق الاجتماعية، واختلطت المفاهيم السياسية بالمفاهيم الاجتماعية والطائفية، وظهر التزام خاطئ وسيّئ بين الالتزام بالوطن اللبناني الحرّ السيد المستقل، والالتزام بالثورة الفلسطينية والوحدة العربية.

وبدأ التسرّب المسلّح الفلسطيني يزداد إلى داخل لبنان بعدما تم نقض اتفاق سابق عند إنشاء "منظمة التحرير الفلسطينية" عام 1964، حيث توافقت الدول العربية على أن لا تقام قواعد عسكرية في لبنان، وأن الفلسطينيين المقيمين فيه، إذا ما التحقوا بجيش التحرير الفلسطيني لن يسمح لهم بالعودة إلى لبنان، انطلاقًا من أن الوضع اللبناني الداخلي السياسي الحسّاس، لا يسمح له بتحمل قيام عمليات عسكرية فلسطينية عبر أراضيه.

مذ ذاك، دخل العامل الإسرائيلي قلب المعادلة اللبنانية: الفدائيون الفلسطينيون يهاجمون أرضهم المغتصبة من الأراضي اللبنانية أو ينطلقون من لبنان لمهاجمة مواقع إسرائيلية في دول العالم، وإذا لم ينطلقوا من لبنان كانوا يصدرون بيانات العمليات العسكرية من بيروت، فتردّ إسرائيل باعتداءات تطاول القرى والبلدات والأحياء السكنية الآهلة في الجنوب، في تكتيك لإرغام الأهالي على التذمر لتعرض بيوتهم وممتلكاتهم للخراب، وحملهم على التخلي عن دعم المقاومين الفلسطينيين.

صيف 1968، أخذ عدد الفلسطينيين المتسللين من سوريا إلى منطقة العرقوب في الجنوب يزداد، ووقعت أول اشتباكات بين الجيش اللبناني والفدائيين، كما بين الفدائيين والقوات الإسرائيلية، وفي 30 تشرين الأول شنت إسرائيل عمليتها الأولى داخل الأراضي اللبنانية مستهدفة معسكرًا لـ "فتح".

ارتفع مستوى الهجمات الفلسطينية وعددها باطراد، وازداد عنف الرد الإسرائيلي ووصل إلى قلب بيروت، وكانت ذروته، ما جرى تلك الليلة.

استهداف طائرة "العال" الإسرائيلية 

الخميس 26 كانون الأول 1968، هاجم فلسطينيان من "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، هما محمود عيسى ومحمد سليمان اليماني طائرة ركاب إسرائيلية تابعة لشركة "العال" رحلة 253 في مطار أثينا، ما أدى إلى مقتل إسرائيلي وجرح آخر وتعطيل جزئي للطائرة.

كان لهذه العملية وقع كبير داخل المجتمع الإسرائيلي، إذ دعا وزير النقل موشيه كرمل لضرورة الردّ بعنف على لبنان لأن المنفذَين تدرّبا في لبنان وبرعاية السلطات اللبنانية.

ورغم أن الفلسطينيين لم يصلا إلى أثينا من لبنان، حيث اعترفا بعد اعتقالهما من قبل السلطات اليونانية أنهما قدما من القاهرة على متن الخطوط الجوية الأولمبية، هددت الإذاعة الإسرائيلية لبنان، متهمة أن المسلحين الفلسطينيين انطلقوا منه لتنفيذ عمليتهم، وما زاد التخوف، إعادة التذكير بعملية أخرى كانت نفذتها "الجبهة الشعبية" في 22 تموز، حين خطفت مجموعة منها طائرة ركاب إسرائيلية، كانت في رحلة من روما إلى تل أبيب وحولتها إلى الجزائر، ولم تنتهِ القضية إلا بعد أن أطلقت إسرائيل سراح عشرات المعتقلين لديها مقابل 35 إسرائيليًّا كانوا محتجزين على متن الطائرة.

إسرائيل ترد في مطار بيروت

عند الساعة التاسعة والربع من مساء السبت 28 كانون الأول، هبطت في مدرج مطار بيروت طوافتان عسكريتان إسرائيليتان أنزلتا فرقة من المظليين من وحدة النخبة المعروفة بالـ "وحدة 269" التابعة لهيئة الأركان العامة "سايرت متكال"، زرعت عبوات في 13 طائرة مدنية وفجّرتها في عملية لم تستغرق أكثر من 20 دقيقة.

قاد العملية رافاييل إيتان، وهو صاحب تاريخ حافل بالعمليات العسكرية وتولّى منصب مساعد رئيس الموساد لشؤون العمليات الخاصة لنحو ربع قرن، وترأس هيئة الأركان العامة الإسرائيلية ولعب دورًا خلال الاجتياح الإسرائيلي صيف 1982، وبعد تركه الجيش عام 1984، دخل المعترك السياسي الإسرائيلي نائبًا ووزيرًا ومات غرقًا في ظروف غامضة عام 2004 في مياه أسدود.

من بين الطائرات 13 التي تم تدميرها كان هناك 8 طائرات تابعة لطيران الشرق الأوسط وكانت "إير فرانس" تمتلك 30 % من أسهمها و5 % لأفراد لبنانيين و65 % لشركة "إنترا" للإستثمار. ودمرت 3 طائرات للخطوط الجوية الدولية اللبنانية التي كانت تملك الولايات المتحدة 58 % منها. وفقدت الخطوط الجوية عبر المتوسط طائرتين مملوكتين من أفراد لبنانيين.

كان إجمالي قيمة الطائرات التي دُمّرت 48,8 مليون دولار، وافقت شركة "لويدز" للتأمين على دفع 18 مليون دولار في استثناء لجميع السياسات التي لا تغطي التأمين على أحداث الحرب.

تعالت الأصوات في لبنان رافضة لما جرى، محملة الجيش اللبناني والشعبة الثانية مسؤولية التلكؤ في حماية المطار، وكان صوت وزير الأشغال العميد ريمون إده الأعلى في مهاجمة السلطة والشعبة الثانية

كما أثارت العملية ردود فعل دولية غاضبة فعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعًا، أدان فيه العملية، وأصدر في اليوم الأخير من السنة القرار رقم 262 مُدينًا إسرائيل "لعملها العسكري المتعمد انتهاكًا لقرارات وقف إطلاق النار"، ومحذرًا إسرائيل بأنه إذا "تكرر وقوع مثل هذه الحادثة، سيتعين على المجلس أن ينظر في اتخاذ مزيد من الخطوات لإنفاذ قراراته".

في ما خص الخسائر، فبالإضافة إلى تعويض شركة التأمين، قام الأردن والكويت والمغرب بتسليم عدة طائرات مدنية إلى "طيران الشرق الأوسط" مجانًا لاستعمالها بشكل موقت.

ماذا يقول العميد غابي لحود رئيس الشعبة الثانية في الجيش اللبناني وقتها الذي وجهت إليه معظم اتهامات الإهمال والتقاعس؟

في حديث مع الصحافي الأستاذ غسان شريبل في "ذاكرة المخابرات" قال: "طبعًا توقعنا أن ترد إسرائيل بعد أن ركز الإعلام الإسرائيلي على كون الفدائيين وصلوا إلى اليونان من لبنان فلفتني النقيب عباس حمدان إلى خطورة الأمر. وجريًا على العادة بعد حصول أي حدث يستدعي التحليل أو إعطاء التوجيهات المناسبة، جمعت ضباط الشعبة وعرض عباس حمدان ما لديه من معلومات عن الحادث، وكان واضحًا في عرضه والسوابق التي أوردها أن إسرائيل سترد حتمًا فبدأنا عملية تحليل لما يمكن أن يكون عليه الرد، وهل يتناول هدفًا عسكريًا أم مرفقًا حيويًا؟، وخلصنا إلى وضع لائحة بالأولويات المحتملة وأعطينا الموقع الأول فيها لمطار بيروت خصوصًا أن الطائرة الإسرائيلية المستهدفة مدنية، ولم نستبعد كاحتمال ثانوي قصف مرفأ بيروت.

نظمنا في اليوم نفسه مذكرة للقرار وحملناها باليد الى الشُعب للتشديد على توفير حماية عاجلة للمطار، وعقد قائد الجيش اجتماعًا في اليوم نفسه لقادة المناطق العسكرية وكُلف قائد منطقة بيروت اتخاذ إجراءات لحماية المطار تحسبًا لعمل عسكري إسرائيلي. انتهى الاجتماع وقصفت إسرائيل المطار ليلًا فإما أن قائد منطقة بيروت تأخر في إصدار التعليمات وإما أن التنفيذ تأخر".

كان ريمون إده وزيرًا للأشغال وسارع إلى المطالبة برأس "المكتب الثاني"، وشكلت لجنة تحقيق وعندما أبرز الكتاب الذي أعدته الشعبة الثانية، انتهى الأمر وضاعت التدابير بحق المقصرين خصوصًا بعدما تبين أن نجيب علم الدين رئيس مجلس إدارة طيران الشرق الأوسط قد أمّن الطائرات وحصل بالتالي على تعويضات".

وفي مذكراته "عين على الحدث" شرح الوزير اللواء سامي الخطيب مفصّلًا ما جرى تلك الليلة وما سبقها ومما أورده عن مشاهدته العينية للحادثة: "وصلت مع زملائي من الضباط سيرًا على الأقدام إلى المطار، وكان المشهد المخيف مخيّبًا للآمال. كان الأمر مذلًّا لنا، وقيادة الجيش لم تعلن حالة الاستنفار إلا بعد 3 أيام من الضربة، أي ليلة رأس السنة، وكان من المتوقع أن يكون ردّنا أقوى بعد تدمير أسطول كامل من الطيران المدني اللبناني، الذي تسبب في خسائر تقدَّر يومها بـ 46 مليون دولار أميركي، لم تعوض شركات التأمين إلا بنصف المبلغ".

تابع: "لجأ رئيس الجمهورية شارل حلو إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر طالبًا منه التدخل للضغط على منظمة التحرير الفلسطينية لوقف التسلل الفلسطيني من سوريا والأردن إلى لبنان، فتم إيفادي إلى مصر لمقابلة عبد الناصر وتأمين لقاء بيني وبين عرفات بعد أن يكون الرئيس المصري تباحث معه لمعرفة نواياه تجاه لبنان".

في مذكراته أيضًا، شرح اللواء الخطيب المعلومات التي وصلتهم عن سير العملية الإسرائيلية، فأشار إلى أنه شاركت فيها سرية استطلاع لواء المظلات "سايريت تسانخانيم" مع "سيريت ماتكال"، وهي وحدة خاصة رئيسة للاستطلاع في الجيش الاسرائيلي، وكان مقر القوة المكلفة بتنفيذ عملية الهجوم على مطار بيروت في قاعدة "رمات ديفيد" الجوية، بجنوب شرق حيفا، فيما تم تعيين العميد رافائيل إيتان قائدًا لها.

حملت وحدة الكومندوس مروحيات "سوبر فريلون" وعند مباشرة عملية الإنزال جرى تشكيل حاجز من الدخان للتعمية في مطار بيروت من قبل طائرات مروحية أخرى، وإسقاط مسامير على الطريق المؤدي إلى المطار لوقف حركة المرور، وأُطلقت نيران تحذيرية مرات عدّة من طائرات مروحية كانت تواكب عملية الانزال على سيارات كانت تحاول دخول المطار كما استهدفت شاحنة للجيش اللبناني كانت عند مدخل المطار، إضافة إلى تدمير الطائرات، قام المظليون الإسرائيليون بتعطيل سيارات الإطفاء في المطار.

وأشار في مذكراته إلى أن مجموع المروحيات التي شاركت في الإنزال أو الحماية بلغ 15 طائرة مروحية إضافة إلى طائرات حربية كانت تجوب سماء لبنان، وشوهدت قوارب عدّة قبالة الشاطئ يبدو أنها كانت للطوارئ في حال الحاجة إلى إخلاء المظليين من الساحل أو إنقاذ طاقم وركاب المروحيات وتبين أن الوحدة الإسرائيلية حاولت تفادي إلحاق أضرار بطائرات شركات الطيران العالمية.

شكل هذا الهجوم مفاجأة كبرى للسلطة وإهانة لها تجاه الرأي العام المحلي والدولي، ولما لم تستطع مواجهة النقمة على ما حصل استقالت الحكومة الرباعية في 8 كانون الثاني 1969، وكلف رئيس الجمهورية شارل الحلو الرئيس رشيد كرامي تشكيل الحكومة الجديدة التي ولدت بعد أيام، لكنها أقلعت بصعوبة وبدأ تسارع الأحداث وصولًا إلى توقيع "اتفاق القاهرة" خريف ذلك العام.