على الرغم من الأهميّة المركزيّة لمسألة حصر السلاح بالقوى الشرعيّة، ووقف الاعتداءات الإسرائيليّة، وإنهاء الاحتلال للأراضي اللبنانيّة، باعتبارها شروطًا أساسيّة للخروج من دوّامة العنف التي يعيشها لبنان منذ تشرين الأوّل 2023، تبرز مسألة أخرى لا تقلّ خطورة، تتعلّق بكيفيّة إدارة "حزب الله" للوعي السياسي داخل بيئته، وما يترتّب على ذلك من آثار مباشرة على مسار تعافي لبنان.
في هذا السياق، تفرض ضرورة التوقّف عند علاقة "حزب الله" بجمهوره، وبالتالي مع المتن العريض من الطائفة الشيعيّة، بعد أكثر من عامين على فتح ما عُرف بـ«جبهة الإسناد». إذ إن طريقة توصيف الحزب لواقعه الراهن، ولنتائج الحرب التي خاضها، تشكّل عنصرًا حاسمًا في رسم وجهة لبنان في المرحلة المقبلة.
تُعيد هذه الحالة إلى الأذهان تجربة «العونيّة» في أواخر الثمانينيات، حين قاد العماد ميشال عون حروبًا ضدّ الجيش السوري («حرب التحرير») وضدّ القوّات اللبنانيّة («حرب الإلغاء»). ورغم النتائج الكارثيّة لتلك الحروب على لبنان، سياسيًا وعسكريًا، فقد نجحت القيادة العونيّة آنذاك في بناء سرديّة جماعيّة قائمة على نفي الهزيمة وإعادة تأويلها، ما سمح لها بالحفاظ على تعبئة شعبيّة واسعة داخل المجتمع المسيحي.
لم يتوقّف هذا المسار مع خروج عون إلى المنفى، بل استمرّ طوال خمسة عشر عامًا، حيث جرى تثبيت الإنكار كأداة مركزيّة في بناء الشرعيّة السياسيّة. وبعد انسحاب الجيش السوري عام 2005 وعودة عون إلى لبنان، أعيد إنتاج هذه السرديّة على نطاق أوسع، فجرى تقديمه بوصفه رمزًا «للتحرير»، بل وإعادة توصيف سقوطه العسكري عام 1990 كعلامة نصر في الذاكرة الجماعيّة لتياره.
من منظور تحليلي، لا تكمن خطورة هذه التجربة في نتائجها الآنيّة فحسب، بل في آثارها البنيويّة على لبنان. فالحالة العونيّة لم تُنتج قاعدة جماهيريّة متماسكة فقط، بل أسّست لمسار سياسي بعد عام 2005 اتّسم بالتعطيل المؤسّساتي، وسوء الإدارة، والهدر الفاحش، وتغطية السلاح غير الشرعي، وذلك مردّه شرعيّة شعبيّة بُنيت على سرديّة إنكار ممنهج لا على محاسبة أو مراجعة نقديّة.
تبدو ملامح هذا النموذج حاضرة اليوم في تجربة "حزب الله". فبدل الانخراط في تقييم علني لنتائج «طوفان الأقصى»، سواء على صعيد الحرب الإسرائيليّة على لبنان، أو التحولات الإقليميّة الكبرى، مثل سقوط نظام الأسد في سوريا، استهداف المنشآت النوويّة الإيرانيّة، وانحسار محور الممانعة في المنطقة، تميل قيادة الحزب إلى إنتاج خطاب يعيد تأطير الواقع على أنّها قويّة وقادرة على الانتصار، بغية الحفاظ على تماسك القاعدة الشعبيّة واستمرار تعبئتها.
تكمن الإشكاليّة هنا في أن إدارة الوعي الجمعي عبر الإنكار لا تؤدّي إلى تأجيل الأزمة فحسب، بل إلى تعميقها. إذ إن المجتمعات التي تُمنع من الاعتراف بالخسارة، تُحرم أيضًا من القدرة على المراجعة والتفكير وتصحيح المسار. وفي حالة لبنان، حيث الدولة هشّة أصلًا، يصبح هذا النمط من السلوك السياسي عاملًا إضافيًا في إطالة أمد الانهيار.
وعليه، فإن الخشية لا تقتصر على تكرار تجربة سياسيّة بعينها، بل على إعادة إنتاج مسار كامل من الوهم السياسي، يقوم على نفي الواقع بدل تداركه ومعالجته. من هذا المنطلق، يمكن القول إن لبنان لا يحتمل نشوء «حالة عونيّة» جديدة، مهما اختلفت بيئتها أو مرجعيتها، لأن نهوض البلد يتطلّب، قبل أي شيء آخر، شجاعة الاعتراف بالوقائع بوصفها شرطًا لأي تعافٍ أو بناء.
كاتب سياسي