سناء الجاك

"البيئات الحاضنة"

3 دقائق للقراءة

استنفر "حزب الله" جيوشه الإلكترونية، دعاهم إلى امتشاق أعلى ما في منابر عالمه الافتراضي، ليصب جام غضبه على الجندي في الجيش اللبناني الذي خالف وسرَّب صور مصادرة الجيش منشأة لـ "الحزب" بين كفرا وصديقين.

منابع الغضب لا تتعلق باستهجان المخالفة، وتحديدًا عندما تصدر عن حزب قراره مرتبط بإيران، ولم يعترف أصلًا بوجود الدولة، وإنما بإشهار حدث يجري فعليًا على الأرض، بتكتم وبمجهود ذاتي للجيش اللبناني، وليس بمبادرة من "الحزب" للقيام بواجباته حيال تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، التزامًا منه بما سعى إليه تحت وطأة هزائمه ليحد من خسارته ومن خسارة مشغله.

ولعل الزيارة الحالية لوزير خارجية المشغِّل عباس عراقجي هي أيضًا للحد من الخسارة مع إعلانه رغبة بلاده في "تنقية العلاقات اللبنانية الإيرانية في جميع المجالات. والتعامل مع جميع الطوائف اللبنانية، خاصة في الظروف الحالية التي يسعى فيها الكيان الصهيوني لإبعاد إيران عن الملف اللبناني".

وبالطبع إيران تموت ولا تبتعد، على العكس، عراقجي أعلن عن الاستمرار في دعم "حزب الله". لذا فإن الصور التي نُشِرت تناقض كل التصريحات التي تتحدث عن أن مقتدرات "الحزب" العسكرية بألف خير وعلى طريق التعافي، والعلة تكمن، فقط، في تقصير الدولة المحتاجة إلى إملاءات نعيم قاسم حتى تستفيق، وتتوقف عن تقديم التنازلات للعدو الإسرائيلي الذي لا يزال يقصف ويغتال ويستغل وجود هذا السلاح، ليبرر عدوانه المتواصل وشهيته المفتوحة على احتلال ما ليس له.

وإقدام جندي مخالف على هتك شرف المنشأة ونشر الصور يبطل مفعول الترويج لفائض قوة وظيفته التخدير لتوفير نشوة "البيئة الحاضنة" وإحساسها بالتفوق على عامة البشر من اللبنانيين، وبالتالي، يعزز الإساءة المعنوية المتعلقة بحماية صورة "القدسية" المفروض ربطها بهذا السلاح وما يضخ من زهو ووهم بالانتصار الأبدي السرمدي.

لذا كان التحريض عبر المنابر الافتراضية لاستفزاز يمكن استثماره. فعرض الصور يجب أن يُصنف إهانة تنال من "البيئة الحاضنة التي قدمت الكثير من التضحيات"، ومن خلفها الطائفة الشيعية بقدها وقديدها.

وهنا بيت الداء، الذي لا يقتصر على "حزب الله" وحده دون سواه من الأحزاب اللبنانية، وإن بدا فاقعًا لديه أكثر مما هو لدى الآخرين، وربما بسبب فائض القوة المتمسك به، أو بسبب افتقاره إلى أي شكل من أشكال الارتباط بلبنانيته لمصلحة التزامه المطلق بوليِّه الفقيه. فكل الأحزاب في لبنان، تخاف خسارة "بيئاتها الحاضنة"، وتعتبرها مكونًا أكبر من المواطنة، ولها الأولوية بقدر ما تعطي مرجعياتها ولاءً والتزامًا لتؤمن استمراريتها. حتى السيادة تتحول مصطلحًا فارغًا، وتُستخدم وفق مصلحة هذه الأحزاب غب الطلب للنيل من الخصم وليس لإعلاء شأن الوطن كدولة ومؤسسات، وإنما لتغليب مقام الطائفة كواجهة للحزب، وكل ما يصيبه يصيبها.

أما تغليب المواطنة، فما زال في علم الغيب.