عشيّة ذكرى الأسبوعين على اندلاع أكبر تحرّك شعبي إيراني مناهض للنظام منذ ثورة "المرأة، الحياة، الحرّية"، تصاعدت حدّة المواجهات وكثافتها بين ملايين المتظاهرين وقوات النظام الظلامي في غالبية المدن والقرى الإيرانية أمس، رغم مقتل عشرات المحتجين السلميين واعتقال أكثر من 2000 آخرين خلال الأسبوعين الماضيين، فضلًا عن قطع الإنترنت وخطوط الهواتف في طهران ومدن أخرى في اليومين الماضيين اللذين شهدا تظاهرات وإضرابات غير مسبوقة، خصوصًا في العاصمة، إثر دعوة ولي العهد الإيراني السابق المنفي رضا بهلوي إلى تظاهرات حاشدة.
وبعدما جدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعهّده بضرب النظام في حال قمع المتظاهرين من خلال القتل والبطش اللذين اعتمدهما لخنق احتجاجات سابقة، ملمّحًا إلى أن المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي يبحث عن بلد يفرّ إليه بسبب التظاهرات التي وصفها بأنها "غير مسبوقة"، اتهم خامنئي المحتجين بأنهم يتصرّفون نيابة عن ترامب، مهدّدًا بأن نظامه لن يتهاون مع الأشخاص الذين يتصرّفون "كمرتزقة للأجانب". ودعا خامنئي، ترامب، إلى الانشغال بإدارة بلده، معتبرًا أن الرئيس الأميركي "يجب أن يعلم أن المستبدين والطغاة في العالم، مثل فرعون ونمرود ورضاخان ومحمد رضا، سقطوا في أوج غرورهم، وسيسقط هو أيضًا"، في حين ردّت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي على هذه التصريحات لخامنئي بالقول: "أنت ديكتاتور وقفت طوال 37 عامًا على أجساد إيرانيين يطالبون بالتغيير".
في الغضون، كشفت منظمة "شبكة حقوق الإنسان في إيران" مقتل 51 متظاهرًا، من بينهم تسعة أطفال، وإصابة مئات الآخرين منذ اندلاع الانتفاضة، محذرة من احتمال تصاعد القمع وارتفاع عدد القتلى إثر قطع الإنترنت، في وقت وجّه فيه بهلوي نداء "عاجلًا وفوريًا" إلى ترامب، طالبه فيه بالتدخل لمساعدة الشعب الإيراني مع تصاعد بطش الملالي وقمعهم في اليومين الماضيين. وأفاد موقع "أكسيوس" بأن الاستخبارات الأميركية قدّرت في مطلع الأسبوع أن الاحتجاجات تفتقر إلى الزخم الكافي لتهديد استقرار النظام، غير أن هذا التقييم تجري الآن إعادة النظر فيه، بحيث أوضح مسؤول أميركي رفيع أن "الاحتجاجات جدية، وسنواصل مراقبتها".
توازيًا، اتهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أميركا وإسرائيل، بلعب دور في الاحتجاجات، معتبرًا أن احتمال التدخل العسكري الأجنبي في إيران "ضئيل للغاية". وكشف أن وزير خارجية سلطنة عُمان سيزور إيران اليوم، بينما توعّد المدعي العام في طهران علي صالحي بأن من يرتكبون أعمال تخريب أو يحرقون الممتلكات العامة أو يشاركون في اشتباكات مع قوات الأمن سيواجهون عقوبة الإعدام، متعهدًا بأنه "لن نظهر أي تساهل مع الإرهابيين المسلحين، حكمهم هو المحاربة". وحذر "الحرس الثوري" الإيراني من أن "استمرار هذا الوضع غير مقبول، ودماء ضحايا الحوادث الإرهابية الأخيرة تقع على عاتق مخططيها"، حاسمًا أن "شعب إيران يعتبر حق الانتقام من انتشار انعدام الأمن حقًا مشروعًا".
ويأتي ذلك بعدما كانت وكالة "تسنيم" قد ذكرت أن عددًا من أفراد الشرطة قتلوا ليل الخميس - الجمعة. وأظهرت صور نشرتها وسائل إعلام رسمية ما ذكرت أنها حافلات وسيارات ودراجات نارية تحترق، إضافة إلى حرائق في محطات مترو وبنوك، متهمة منظمة "مجاهدي خلق" المعارضة بالوقوف وراء الاضطرابات، فيما أكدت المنظمة أن وحدات تابعة لها شاركت في الاحتجاجات. وسط هذه الأجواء، أعلنت شركات طيران دولية إلغاء رحلاتها المتوجّهة إلى إيران، إذ أظهر الموقع الإلكتروني لمطارات دبي إلغاء 17 رحلة جوية على الأقل بين دبي وإيران، كما ألغت الخطوط الجوية التركية 17 رحلة كانت مقرّرة يومي أمس واليوم إلى كلّ من طهران وتبریز ومشهد.
دبلوماسيًا، اعتبرت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن "الشعب الإيراني يقاتل من أجل مستقبله، ومن خلال تجاهل مطالبه المشروعة، يكشف النظام حقيقته"، مشدّدة على أن "أي عنف ضد المتظاهرين السلميين أمر غير مقبول، وقطع الإنترنت بالتزامن مع القمع العنيف للاحتجاجات يفضح نظامًا يخشى شعبه". وندّد قادة فرنسا وبريطانيا وألمانيا في بيان مشترك، بقتل متظاهرين في إيران، وحضوا السلطات على ضبط النفس وعدم اللجوء إلى العنف. كذلك، أعرب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك عن قلقه إزاء التقارير المتعلّقة بأعمال العنف خلال الاحتجاجات الواسعة في إيران، بما في ذلك الأنباء عن مقتل أشخاص، مؤكدًا أن "كافة حالات القتل يجب أن تخضع لتحقيق سريع ومستقل وشفاف، وأن يحاسب مرتكبو أي انتهاكات لحقوق الإنسان وفق المعايير والضوابط الدولية"، كما أعرب عن قلقه إزاء القطع الشامل للإنترنت في إيران، مشيرًا إلى أن "مثل هذه الإجراءات تؤثر سلبًا في عمل من يوثقون انتهاكات حقوق الإنسان".