أنطونيو رزق

الإيرانيون لإنهاء حقبة الملالي السوداء... ماذا بعد الجمهورية الإسلامية؟

7 دقائق للقراءة
يعتبر رضا بهلوي أحد أبرز وجوه المعارضة في الخارج (رويترز)

يعيش نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية أحلك أيامه منذ تأسيسه على أنقاض عرش الشاه الراحل محمد رضا بهلوي عام 1979، فقد أصبح ملالي طهران يدافعون عن بقاء نظامهم المهترئ في شوارع عاصمة أمبراطوريتهم المتداعية بعد الهزائم الاستراتيجية المتتالية التي تلقاها النظام الظلامي إثر عملية 7 أكتوبر الانتحارية. خرج الشعب الإيراني في تظاهرات عمّت معظم مدن البلاد وقراها خلال الأسبوعين الماضيين، بعد تدهور قيمة العملة الإيرانية إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق، وحملة القمع والإعدامات التي تلت هزيمة "حرب الـ 12 يومًا"، مردّدين شعارات تطالب بإسقاط نظام الملالي المفلس على كافة الأصعدة، فيما أحرقوا مؤسسات تابعة للنظام وتماثيل ولافتات رموزه في كبرى المدن الإيرانية.

يصعب على الملالي، وهم في أضعف أحوالهم، خنق شعلة الثورة المستجدة كما فعلوا بسالفاتها، إذ إن زخم التحركات الشعبية وصل إلى مستوى غير مسبوق ويستمر في التصاعد رغم مقتل العشرات واعتقال الآلاف وقطع الإنترنت وخطوط الهواتف، بينما تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرارًا بالتدخل لمصلحة الثوار في حال أطلق الملالي العنان لآلة القتل والبطش. لا يزال النظام صامدًا حتى الآن، إنما يبدو أنه بات أقرب إلى السقوط من أي وقت مضى، ما يطرح علامات استفهام عدة لدى الإيرانيين والمجتمعين الإقليمي والدولي حول شكل إيران ما بعد الجمهورية الإسلامية، خصوصًا أن التحرك الشعبي الحالي ليس منضويًا تحت تنظيم موحد ومتماسك يستطيع السيطرة على السلطة بسرعة ومنع الفوضى التي ترافق غالبًا المراحل الانتقالية.

ولكن، شهد الكثير من التظاهرات داخل إيران وخارجها ترداد شعارات مؤيدة لعائلة بهلوي، فضلًا عن مطالبات بعودة ولي العهد السابق المنفي رضا بهلوي إلى البلاد وتوليه السلطة، كما رفرف العلم الإيراني، الذي كان معتمدًا قبل الثورة الإسلامية، في التظاهرات الداخلية والخارجية وعلى مبنى سفارة إيران في لندن الأسبوع الماضي، بعدما علّقه متظاهر مناهض للنظام هناك إثر نزعه علم نظام الملالي على وقع هتافات مؤيدة لبهلوي. وكان معبّرًا تزامن تصاعد كثافة وحدّة التحركات الشعبية على الأرض خلال الأيام الأربعة الماضية مع المواعيد التي حدّدها بهلوي للتظاهرات في نداءات يومية وجّهها إلى مواطنيه عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

لا ينبع التعاطف الشعبي مع ولي العهد السابق من مجرّد حالة رومنطيقية لحقبة ما قبل الثورة الإسلامية كردة فعل على الأوضاع الكارثية التي وصلت إليها البلاد اليوم، بل يستند أيضًا إلى منطلقات واقعية، إذ إن رضا بهلوي يعتبر أحد أبرز وجوه المعارضة في الخارج، وأكثر شخصية عملت على تنظيم المعارضة وتوحيدها والتحضير لمرحلة انتقالية، ما يجعله مرشحًا طبيعيًا لقيادة إيران مستقبلًا. بالإضافة إلى ذلك، يعتبر عدد وازن من الإيرانيين عن حق أن حقبة الشاه كانت أفضل بكثير من حقبة الملالي، ما خلق قابلية للتعاطف مع بهلوي. صحيح أن حكم الشاه كان حكمًا أوتوقراطيًا يحرم المواطنين من الحريات السياسة ويقمع المعارضين من خلال جهاز "سافاك"، إلّا أن تلك الحقبة تميّزت بالحريات الاجتماعية، والنمو الاقتصادي، وتطوير البنى التحتية التي لا يزال يستخدم الكثير منها حتى اليوم، وصون حقوق المرأة وتعزيزها، وعلاقات مميّزة مع الدول الغربية، وتجنب الحروب المدمرة في عز الحرب الباردة والحروب العربية - الإسرائيلية.

لم تكن إيران خلال حكم الشاه "دولة أفلاطون"، لكن مقارنة مع حكم الملالي، تبدو العودة إلى شيء يشبه حقبة الشاه خيارًا مستحبًا للكثير من الإيرانيين، بعدما أرسى نظام الجمهورية الإسلامية حكمًا ثيوقراطيًا توتاليتاريًا يحرم المواطنين من حرياتهم السياسية والاجتماعية، ويسجن معارضيه ويعدمهم، ويحتقر المرأة، ويهجّر أكثر من 100 ألف إيراني سنويًا، ويخنق البلاد اقتصاديًا بفساده وسوء إدارته، ويقحم شعبه في حروب خاسرة لا مصلحة له فيها انطلاقًا من هلوسات أيديولوجية، ويجعل إيران دولة منبوذة ومعزولة على المستوى الدولي من جرّاء انتهاجه "دبلوماسية الرهائن"، المرتكزة على خطف الأجانب وابتزاز دولهم، فضلًا عن كون الملالي أكبر داعمين للإرهاب حول العالم على حساب الشعب الإيراني.

أبدى بهلوي أخيرًا استعداده لقيادة مرحلة "انتقال وطني إلى الديمقراطية" في حال سقوط الملالي، مشيرًا إلى أنه سيسعى إلى توحيد "القوى الديمقراطية الإيرانية المتنوّعة" حول المبادئ المشتركة المتمثلة في صون وحدة أراضي إيران، وحماية الحريات الفردية، والمساواة بين جميع المواطنين، وفصل الدين عن الدولة، من خلال عملية مصالحة وطنية واستفتاء يحدّد الشكل الديمقراطي المستقبلي لنظام الحكم، الذي قد يكون ملكيًا أو جمهوريًا حسبما يقرّر الشعب. وذكر أنه جمع على مدى سنوات فريقًا من الخبراء المستعدّين لتولي مهمة إدارة مؤسسات الدولة خلال المرحلة الانتقالية، كما كشف أنه أسّس منصة للتواصل مع عناصر مؤسسات النظام المنفتحين على الانشقاق، مؤكدًا أن عشرات الآلاف تفاعلوا مع تلك المنصة حتى الآن.

رغم أن بهلوي يبدو طرفًا مؤهّلًا لقيادة مرحلة انتقالية، ليس واضحًا مدى قدرته على السيطرة على الأرض وكسب ولاء القوات العسكرية والأمنية في حال سقوط الملالي، ما يفسّر رفض ترامب تأييده علنًا حتى الآن، إذ إن أميركا ستتعامل مع الطرف القوي الموجود على الأرض والمستعدّ للتعامل معها على أساس تحقيق مصالحها ومصالح حلفائها عند سقوط النظام، ما يعني أنه في حال فشل بهلوي وغيره من المعارضين للنظام في ترجمة شعبيّتهم إلى قدرة على تولي الحكم ومنع الفوضى، تحتفظ واشنطن بخيار التعاون مع عناصر من النظام نفسه إذا سيطرت بشكل أو بآخر على السلطة وكانت مستعدّة لتقديم التنازلات المطلوبة، مثلما يحصل حاليًا مع السلطات الفنزويلية الموَقتة التي تولّت الحكم بعد اعتقال الرئيس المخلوع لنظام "التشافيسمو" نيكولاس مادورو.

تكثر السيناريوات التي يمكن تصوّرها لمرحلة ما بعد الجمهورية الإسلامية، فقد يعود بهلوي ويقود حكمًا انتقاليًا ويرسي أسس الديمقراطية، كما هناك احتمال أن ينقلب أحد أجنحة النظام على خامنئي وحاشيته ويتولى السلطة، أو أن ينقلب الجيش الإيراني على النظام ويسيطر على الحكم، في حين لا يمكن استبعاد فرضية الحرب الأهلية التي تبقى واردة، خصوصًا أن للنظام مؤيديه وبيئته الحاضنة. بالإضافة إلى ذلك، من الممكن جدًا أن تحاول الأقليات المهمّشة، مثل الكرد والبلوش، استغلال ضعف السلطة المركزية خلال المرحلة الانتقالية للسعي إلى الانفصال، ولا سيّما إذا تبيّن بعد سقوط النظام أن ليس هناك قابلية لدى أصحاب السلطة للبحث في إقامة نظام فدرالي يحافظ على وحدة البلاد ويصون خصوصية المكونات الإيرانية المختلفة.

من الصعب توقع ما ستؤول إليه الثورة المستجدّة، لكن ما هو أكيد أن نظام الجمهورية الإسلامية بات يعيش آخر مرحلة من حكمه الظلامي وأضحى آيلًا إلى السقوط عاجلًا أم آجلًا بسبب إفلاسه الاستراتيجي والسياسي والاقتصادي والأيديولوجي، كما إنه من المؤكد أن أي سيناريو يمكن تصوره لما بعد حكم الملالي يبقى أفضل بكثير من بقاء النظام الحالي بالنسبة إلى إيران والمنطقة والعالم على السواء، إذ إن استمرار النظام يعني مزيدًا من المأساة والبؤس والقمع للشعب الإيراني، ومزيدًا من الحروب العبثية والدعم للميليشيات الإقليمية وللجماعات والخلايا الإرهابية حول العالم. لذلك، لو مهما حدث بعد سقوط النظام، سيبقى يوم سقوطه مخلدًا في ذاكرة الإيرانيين كيوم تاريخي مجيد أنهى حقبة سوداء في الحضارة الإيرانية العريقة.