شادي معلوف

وداع دافئ لـِهلي الرحباني

3 دقائق للقراءة

بمثل الصمت والهدوء اللذَين عاشهما، هكذا كان وداع هلي الرحباني. ورغم برد كانون الثاني في المحيدثة - بكفيّا، كانت جنازة النجل الثاني لعاصي الرحباني وفيروز، دافئة، غلب فيها حضور العائلة والمقرّبين وبعض الشخصيات الرسميّة. وخلافًا لما جرى في تموز الماضي يوم الوداع الحاشد للفنان الراحل زياد الرحباني، كان الحضور الإعلاميّ والفنيّ والسياسيّ والشعبيّ في حدّه الأدنى خلال الساعات الأربع بين الثانية عشرة وحتى قرابة الرابعة من بعد ظهر السبت الماضي، والتي تخلّلها وصول جثمان الراحل للتسجية في "كنيسة رقاد السيدة"، ثمّ تقبُّل التعازي في قاعة الكنيسة، فصلاة الجنازة عند الثالثة، والمغادرة بعدها. 

صلاة الجناز ترأسها متروبوليت جبيل والبترون وما يليهما (جبل لبنان) للروم الارثوذكس سلوان موسي، شاركه متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس الياس عودة، وخادم "رعيّة رقاد السيدة - المحيدثة" المتقدّم في الكهنة الأب ملحم حوراني، وعدد من رجال الدين.

وبعد تلاوة فصل من الإنجيل المقدّس ألقى المطران موسي عظة قال فيها: "نقف اليوم للصلاة عن راحة نفس هلي بحزن، ولكن الملائكة سترحّب به في السماء، لأن الألم على الأرض بحسب منظارنا هو فرح وغبطة في السماء". وأضاف: "يسوع متحنن على الإنسان وهو لا يريد شقاءه ولكن يعطيه نعمة الفضيلة بالرجاء والإيمان والتضحية، وهكذا أتى هلي إلى هذا العالم كغيره من الأطفال الموجودين في حياتنا ملائكة لا يعرفون شرور هذا العالم ونرى من يواكب معاناتهم بكل محبة وحنان وبذل يومي ليكونوا في أفضل ما يمكن".

وكما توجّه المتروبوليت موسي إلى السيّدة فيروز بكلمات معزية من القلب يوم جنازة نجلها البكر زياد الرحباني، توجّه إليها أيضًا في جنازة ابنها الثاني هلي، قائلًا: "نحن نقدّرك جدًّا لأنك أم، وما أحلى أن يزف الأهل أولادهم للرب، فأنتِ اليوم تقدّمين هلي إلى أهل السماء، وهو لم ينغمس معنا في صعوبات الحياة وشرورها ومصالحها وأنانياتها، بل كان علامة لحضور الله في هذه العائلة، لذلك فرح القيامة اليوم عظيم رغم الأسى والحزن، ولكن ربّنا يكلّل كلّ دمعة وجهاد ببركته السماوية لهلي ولعائلته وبشكل خاص للأم". وختم: "أرى في السيدة فيروز الأم التي أعطت البلد كل ما لديها، وفي الوقت نفسه تعطي ابنها كلّ ما فيها من محبة وطاقة، وهذا مجد عظيم".

بعد الصلاة تقبّلت السيدة فيروز وكريمتها ريما الرحباني وأفراد من العائلة التعازي من الحضور في الكنيسة، ونُقل جثمان الراحل إلى المدافن الخاصة بأسرة فيروز في بلدة شويّا المتنيّة حيث ووري في الثرى. وبذلك طوت "سيّدة المجد والحزن" فيروز صفحة أخرى غالية من عمر كرّست جانبًا كبيرًا منه لاحتضان ابنها الذي قست عليه وعليها الحياة. وكان لافتًا أن فيروز تركت العنان لمشاعرها حدّ ذرف الدّمع والغصّة أكثر من مرّة، إن خلال تقبّل التعازي أو في الكنيسة وهي جالسة أمام نعش الفقيد. كذلك لوحظ تفاعلها مع العديد من المعزين إن بالسلام باليد أو بردود مقتضبَة على تعازيهم، وكأنّها برحيل هلي فاضت قدرة القلب والروح على تحمّل الحزن والاحتفاظ به، فكان هذه المرّة "الوداع ابتسامات مبلّلة بالدمع حينًا وبالتذكار أحيانًا". 



السيدة فيروز خلال تقبّل التعازي (رمزي الحاج)