الدكتور سايد حرقص

من "كاسندرا" إلى الانهيار... الحقيقة المرة

3 دقائق للقراءة

​لم يكن الانهيار المالي اللبناني حادثاً مفاجئاً ولا نتيجة خطأ عرَضي، بل كان الخاتمة المنطقية لمسار طويل من الإنذارات التي جرى تجاهلها رسميًا. في قلب هذا المسار، يقف "مشروع كاسندرا" الأميركي؛ لا كملف أمني معزول، بل كنقطة البداية لانكشاف العلاقة الخطيرة بين غسيل الأموال، والسلاح غير الشرعي، والمصارف، والقوى السياسية التي تواطأت أو غطت هذه الأنشطة.

​أُطلقت المخابرات الأميركية "مشروع كاسندرا" عام 2008 لتفكيك شبكات تهريب الكوكايين من أميركا اللاتينية إلى الولايات المتحدة. غير أن التحقيق القائم على تتبّع حركة الأموال كشف سريعاً أن المعضلة لا تكمن في تهريب الممنوعات فحسب، بل في كيفية إدخال عائداتها إلى النظام المالي العالمي. هنا برز لبنان كبيئة مصرفية هشّة، محمية سياسياً، وقابلة للاستخدام في تبييض أموال عابرة للحدود؛ حيث تقاطعت الخيوط عند شبكات مالية موازية لا تخضع لرقابة الدولة.

​لم تكن الأموال تُكدَّس في الخزائن، بل كانت تُغسل عبر مصارف وشركات واجهة ومكاتب صرافة، ضمن أنشطة تجارية ظاهرها شرعي وباطنها مالي–أمني. هنا تحوّل الخطر من ملف أمني تقني إلى أزمة ثقة بنيوية بين المجتمع الدولي ولبنان؛ فعندما تدخل الأموال غير المشروعة إلى النظام المصرفي، لا تعود المشكلة محصورة في جهة أو شبكة، بل تصبح وصمة تطال الدولة والنظام بأسره.

​جاءت الضربات الدولية على النظام المصرفي اللبناني متدرجة، وكانت كل واحدة منها رسالة واضحة بضرورة الإصلاح:

- ​البنك اللبناني الكندي (2011): اتهام رسمي بتبييض أموال مرتبطة بشبكات غير قانونية، أعقبته تصفية قسرية.

- ​جمال ترست بنك (2019): أُقفل بتهمة تسهيل معاملات مالية مشبوهة قبل أسابيع قليلة من الانهيار الكبير، في إشارة لا لبس فيها إلى أن القطاع المصرفي بات تحت الاشتباه الشامل.

​بدلاً من المواجهة والإصلاح الجذري، اختارت السلطة اللبنانية اعتبار هذه الملفات "استهدافاً سياسياً"، وقررت حماية التداخل بين المصارف والنفوذ السياسي، متجاهلةً نمو الاقتصاد الموازي المرتبط بالسلاح. وهكذا، تآكلت الثقة الدولية بصمت؛ ومع كل مصرف كان يُعاقَب، كانت المصارف المراسلة تُعيد حساباتها، والتحويلات تُوضَع تحت المجهر، بينما التصنيف الائتماني يهوي والانهيار يقترب.

​عندما انفجرت الأزمة في خريف 2019، لم يكن السبب مجرد نقص في السيولة، بل كان انقطاعاً تاماً لشرايين الثقة. لم يهرع العالم لإنقاذ لبنان لأنه لم يعد يراه نظاماً مالياً موثوقاً، بل بيئة عالية المخاطر لغسل الأموال.

​الانهيار لم يكن "مؤامرة خارجية"، بل ثمرة رفض داخلي للاعتراف بالحقيقة. وبناءً عليه، فإن أي محاولة للإصلاح ستبقى مجرد "ترميم لواجهة متصدعة" ما لم يتم تفكيك الاقتصاد الموازي، وإخضاع كافة التدفقات المالية لسلطة الدولة والقانون، وفصل القطاع المصرفي تماماً عن أي أنشطة غير شرعية.

​لقد قالت "كاسندرا" الحقيقة مبكراً، لكن لبنان الرسمي آثر تجاهلها، فدفع الشعب اللبناني ثمن هذا الصمت عزلةً وفقراً. واليوم، لا تزال السلطة تمارس سياسة "النعامة" في التعامل مع الملفات السيادية كسلاح حزب الله والفجوة المالية، مما يهدد باستمرار دوامة الانهيار، واستنزاف ما تبقى من ثروات الشعب وأحلام الشباب إلى أجل غير مسمى؟