الياس دمّر

فيلم يقاوم التبسيط

الصّمت لغة للمنفى وتأمُّل في الهويّة مع "يونان"

4 دقائق للقراءة

في فيلمه الرّوائي الثاني "يونان"، يواصل المُخرج أمير فخر الدين مشروعه السّينمائي القائم على تفكيك تجربة المنفى بوصفها حالة وجوديّة قبل أن تكون واقعًا جغرافيًا. بعد فيلمه السّابق "الغريب"، يعود فخر الدين إلى سينما التأمُّل والهدوء، مُقدِّمًا عملًا يُراهن على الصّورة، الإيقاع البطيء، والإنسان المعزول في مواجهة أسئلته الكبرى.

يروي الفيلم حكاية "منير"، كاتب عربي يعيش في أوروبا، يُقرّر السّفر إلى جزيرة نائية في شمال ألمانيا بهدف الانتحار! غير أن إقامته في فندق تديره مُسنة تدعى "فاليسكا"، تقوده من دون خطب أو تحوّلات دراميّة صاخبة، إلى إعادة النظر في علاقته بالحياة، بالذاكرة وبفكرة الانتماء نفسها. هذه الحبكة البسيطة تُشكّل مدخلًا لعمل شديد الكثافة من حيث الدّلالات وقليل الأحداث من حيث البناء التقليدي.


المُشاهد المُتأمّل

منذ مشاهده الأولى، يعلن "يونان" انحيازه إلى سينما الحالة لا سينما الحدث. الكاميرا تُراقب أكثر ممّا تشرح، والصّمت غالبًا ما يقول أكثر ممّا تقوله الحوارات القليلة والمقتضبة. هذا الخيار الجمالي قد يُربك مُشاهدًا معتادًا على السّرد الواضح، لكنه في الوقت نفسه يمنح الفيلم هويَّته الخاصَّة، ويضعه بوضوح ضمن تيّار سينمائي عالمي يهتم بالدّاخل الإنساني أكثر من الحبكة.

أداء الممثل جورج خبّاز في دَور "منير"، يُعدّ من أبرز عناصر قوّة الفيلم، إذ يقدِّم خبّاز شخصيّة مثقلة بالتعب الدّاخلي، من دون استدرار عاطفي أو مبالغة. تعابير الوجه، نبرة الصّوت وحتى لحظات الصّمت، تُستخدم كأدوات تمثيليّة دقيقة تعكس هشاشة الشخصيّة واغترابها. هو أداء يعتمد على الاقتصاد لا الانفعال، ويؤكّد نضج خبّاز كمُمثل قادر على حمل أدوار مُركّبة نفسيًا.

في المقابل، تحضر الممثلة الألمانية "الأيقونة" Hanna Schygulla بدَور "فاليسكا" كعُنصر توازن إنساني. شخصيّتها ليست منقذة ولا واعظة، بل امرأة تحمل بدورها ثقل الفقد والوحدة. العلاقة بينها وبين "منير" تُبنى على التفاصيل الصّغيرة: وجبة مشتركة، نظرة أو حديث عابر. هنا، ينجح الفيلم في تقديم فكرة التواصل الإنساني بوصفه فعلًا بسيطًا، لكنه عميق الأثر.


جمال الطّبيعة

بصريًا، يعتمد "يونان" على تصوير شديد الانضباط. الطّبيعة القاسية، البحر الرّمادي، السّماء المفتوحة، المساحات الفارغة، كلّها تتحوّل امتدادًا للحالة النفسية للبطل. الصّورة لا تُستخدم تجميليًا، بل كجزءٍ أساسي من السّرد، في انسجامٍ واضح بين إخراج فخر الدين والتصوير السّاحر عبر عدسة Ronald Plante.

الموسيقى، من جهتها، تأتي مُقتصدة، تحترم الصّمت وتفسح له المجال بدل أن تملأ الفراغ قسرًا.

على مستوى المعنى، يطرح الفيلم أسئلة تتجاوز قصّته الفرديّة: ماذا يعني أن تفقد الإحساس بالوطن؟ هل المنفى مكان أم حالة ذهنيّة؟ وهل يمكن للإنسان أن يبدأ من جديد من دون أن يتصالح مع ماضيه؟ هذه الأسئلة لا تُطرح بشكل مباشر، بل تتسلّل بهدوء، تاركة للمُشاهد مساحة للتأويل.

مع ذلك، لا يخلو الفيلم من نقاط قد تُحسب عليه، خاصّةً ممّا سمعناه من موزعي الأفلام التجاريّة الذين يُحاسبون الأفلام بعدد دقائقها... إيقاعه البطيء جدًا وتكرار بعض الحالات الشعوريّة، قد يجعلان التجربة مُرهقة لبعض المُتلقين. كما أن انحيازه الواضح إلى الرمزيّة والتأمّل قد يُفسَّر أحيانًا كابتعاد عن الصّراع الدّرامي الواضح. غير أن هذه المُلاحظات تبقى جزءًا من خيار فني واعٍ، وليست خللًا تقنيًا أو سرديًا.

لا جدل في أن "يونان" ليس فيلمًا جماهيريًا بالمعنى التقليدي، بل هو عمل سينمائي هادئ، صادق ومشحون بالأسئلة. هو فيلم يُشاهَد ببطء، ويُهضم ببطءٍ أكبر. وفي زمن تُهيمن فيه السّرعة والضجيج، يبدو الفيلم كدعوةٍ نادرةٍ للتوقف، الإنصات والنظر إلى المنفى بوصفه جرحًا إنسانيًا مُشتركًا، لا حكايةً فرديّةً معزولة!

تشاهدون "يونان" في صالات "سينما متروبوليس"، "سينما أسواق بيروت"،  وفي صالات "فوكس سينما".