الياس دمّر

على حافة المجد... والانهيار

النرجسيّة رياضة في "Marty Supreme"

4 دقائق للقراءة

بالتزامن مع تحرير هذا الموضوع، كانت "بطولة العالم لكرة الطاولة" (Ping Pong) تُسدل ستائرها في لندن، في لحظة رمزيّة تستعيد فيها اللّعبة مئويّتها الأولى، بعد قرن كامل على انطلاق نسختها الافتتاحيّة في إنكلترا عام 1926. عودة البطولة إلى مهدها التاريخي تمنح قراءة "Marty Supreme" بُعدًا إضافيًا. فالفيلم، الذي يتّخذ من هذه الرياضة مسرحًا لفوضاه النفسيّة وطموحه المحموم، يصل إلى الشاشة في توقيتٍ يُذكِّر بأنّ كرة الطاولة لم تعد تلك الرياضة الهامشيّة التي قد يتخيّلها البعض، بل ظاهرة رياضيّة عالميّة. ولعلَّ المُفارقة المحليّة الأبرز أنَّ الفيلم يصل أخيرًا إلى الصالات اللبنانيّة بعد تأخُّر امتدّ نحو خمسة أشهر عن موعد طرحه الأساسي، إثر حصوله أخيرًا على موافقة العرض من الجهات الرقابيّة في الأمن العام.


طموح لا يتوقّف

لا يُقدِّم الكاتب والمُخرج Josh Safdie، في "Marty Supreme"، فيلمًا رياضيًّا بالمعنى التقليدي، بل تجربة سينمائيّة مُندفعة عن الهوس وصناعة الأسطورة والركض المحموم خلف صورة الذات أكثر من الإنجاز نفسه. الفيلم، الذي يقوده Timothée Chalamet بأداء يُمكن اعتباره من أكثر أدواره انفلاتًا وحيويّة، يتعامل مع رياضة تنس الطاولة لا كرياضة هامشيّة، بل كحلبةٍ نفسيّة تُختَبَر فيها الغرائز البشريّة الأكثر فوضويّة، بين الطموح والنرجسيّة والخوف من التنميط. منذ اللّقطات الأولى، يفرض جوش صفدي إيقاعه المُعتاد، ذا الكاميرا القلقة والمونتاج المتوتّر والشخصيّات التي تبدو كأنها تتحرّك دائمًا على حافة الانهيار. لكن ما يُميّز الفيلم عن أعماله السابقة هو أنّ التوتر هنا ليس مبنيًّا فقط على الخطر الخارجي، بل على الطاقة الداخليّة لشخصيّته الرئيسيّة. "مارتي" ليس بطلًا يسعى إلى التعاطف، بل شخصيّة مأزومة تؤمن بنفسها إلى درجة التهلكة، ما يجعل مشاهدته تجربة تجمع بين الإعجاب والنفور في آن.


شالاميه في أكثر أدواره جنونًا

لا يؤدّي تيموثي شالاميه الدَّور فقط، بل يبتلعه. ثمّة تجسيد واضح في الأداء، ليس فقط في مشاهد اللّعب بل في الحركة والكلام وطريقة احتلاله للمكان. يُجسِّد رجلًا يرفض أن يكون شخصًا عاديًا، حتى لو كانت الطريق إلى العظمة مجرّد وهْم شخصيّ ضخم. وفي ذلك تكمن إحدى نقاط قوّة الفيلم، إذ إنه لا يهتمّ بتقديم رحلة صعود ملهِمة، بقدر ما يُقدِّم تشريحًا نفسيًا لفكرة النجاح حين تتحوّل إلى مرض.

على المستوى الإخراجي، يواصل صفدي ولعه بالسينما التي تعيش على الحافة. لا يمنح المُشاهد راحة السَّرد الكلاسيكي، بل يُفضِّل التشتت المقصود والانفجارات السرديّة المُفاجئة. هذا الخيار قد يكون مُرهِقًا لبعض المُشاهدين، خصوصًا أنّ الفيلم يبدو أحيانًا أقلّ اهتمامًا بالبُنية المُحكَمة وأكثر انجذابًا إلى الفوضى كقيمة جماليّة بحدّ ذاتها. ومع الوقت، تتضح لنا فكرة الفيلم الأساسيّة، وهي أنّ حياة "مارتي" نفسها ليست قصّة مستقيمة، بل سلسلة اندفاعات وارتجالات ومطاردات ذاتيّة.


هوس الحلم الأميركي

الفيلم لا يُقدّم دراسة نفسيّة عميقة بالمعنى التقليدي، إذ يترك الكثير من دوافع بطله مُعلَّقة، لكنه يعوّض ذلك بطاقة حسيّة عالية. كل شيء في الفيلم يبدو صاخبًا، متوترًا ومشحونًا بالحركة، كأنّ اللغة السينمائيّة نفسها تلعب مباراة تنس طاولة عصبيّة. أمّا بصريًّا، فللعمل شخصيّة واضحة: نيويورك ليست مجرّد خلفيّة، بل امتداد لحالة "مارتي" النفسيّة. مدينة لا تتوقف، لا تُصغي، وتكافئ الأكثر ضجيجًا. كما تُضيف الشخصيّات الثانويّة طبقات من الغرابة والارتياب، ما يمنح الفيلم نكهة شبه كابوسيّة.

يبدو "Marty Supreme" عملًا مُتفلِّتًا، مستفزًّا وغير منضبط أحيانًا، لكنه حيّ بشكلٍ نادر. فيلم عن رجل يُطارد العظمة بينما يبتعد تدريجيًا عن أي تعريف منطقي لها. قد لا يكون الفيلم مُتماسكًا بالكامل، لكنه يمتلك تلك الفوضى الساحرة التي تجعل بعض الأعمال تُشاهَد لا لكونها مثاليّة، بل لأنها لا تُشبه شيئًا آخر. إنه فيلم عن الذين لا يعرفون كيف يكونون عاديين... وهو يُعرض حاليًا في جميع صالات السّينما اللّبنانيّة.