استكمالًا للمقال السابق لماذا يستحيل الفصل بين الجناحين العسكري والسياسي لـ "حزب الله" (عدد 1760) حول عدم جدوى الفصل بين الجناح العسكري والجناح السياسي لـ "حزب الله"، لا يمكن فهم هذه الإشكالية من دون التوقف عند الدور المركزي الذي لعبه العلماء الدينيون في تأسيس الميليشيا الإيرانية في لبنان. فـ "الحزب" لم يولد كتنظيم عسكري صرف، ولا كحزب سياسي تقليدي، بل كنتاج مشروع ديني - سياسي عابر للحدود، حمله رجال دين رأوا في لبنان ساحة صالحة لإعادة إنتاج الثورة الإيرانية.
في هذا السياق، شكّلت "جمعية علماء المسلمين في لبنان" أحد أهم الأطر التأسيسية. هذه الجمعية، التي تأسست عام 1982 مستفيدة من ذريعة الاجتياح الاسرائيلي، لم تكن رد فعل محليًا عفويًا، بل نتاج تلاق بين رجال دين لبنانيين وفلسطينيين وإيرانيين "استلهموا" الثورة الإيرانية، وشاركوا في مؤتمر نظمه الحرس الثوري الإيراني في طهران تحت عنوان "يوم المستضعفين العالمي". هناك، جرى الاتفاق على إنشاء إطار ديني - سياسي يقود "المقاومة" ويؤسس لنظام إسلامي بديل عن الدولة اللبنانية.
اعتمد علماء "جمعية العلماء" على المساجد كمراكز تعبئة سياسية، تماما كما حصل في إيران. هذا الخيار لم يكن تفصيلًا تنظيميًا، بل تعبيرًا عن قناعة أيديولوجية مفادها أن الإسلام لا ينفصل عن السياسة. هذه الرؤية تستند مباشرة إلى فكر الخميني الذي اعتبر أن تحييد الدين عن الشأن العام هو خدمة للاستعمار، وأن صمت الأئمة عن القضايا السياسية والاجتماعية يؤدي إلى "تدمير البلدان الإسلامية".
الأخطر أن "جمعية العلماء" لم تسع إلى إصلاح النظام اللبناني، بل إلى تقويضه. فقد اصطدم مشروعها بمراجع شيعية لبنانية سعت إلى تحسين أوضاع الطائفة ضمن النظام القائم، وعلى رأسها الإمام محمد مهدي شمس الدين، وقبله الإمام موسى الصدر. هؤلاء رأوا في الفوضى الفلسطينية وفي عسكرة الجنوب خطرًا على لبنان، بينما اعتبر الثوريون الإيرانيون الفلسطينيين حلفاء طبيعيين في مشروع "المقاومة الإسلامية". بعد اختفاء الصدر، فتحت "جمعية العلماء" الباب واسعا أمام انخراط رجال دين فلسطينيين في مشروعها، ما عمّق طابع الحركة العابر للحدود.
كما تعمّدت "جمعية العلماء" تجاوز الانقسام السني - الشيعي، ليس من باب العيش المشترك، بل في إطار تعبئة إسلامية ثورية. فالوحدة المذهبية، كما طرحها الخميني، كانت أداة لبناء قوة إسلامية تواجه "الاستكبار العالمي". هذا التوجه بلغ ذروته مع مبادرات حسين علي منتظري، الذي دعا إلى تحالف دولي من العلماء لإشعال ثورات في الدول التي يُعتبر المسلمون فيها "مضطهدين"، وكان لبنان في صلب هذا التصور.
من هذه البيئة الدينية - الثورية، وبدعم مالي وعسكري مباشر من الحرس الثوري الإيراني، وُلد "حزب الله". لم يكن "الحزب" إذًا نتيجة انحراف عسكري لاحق، بل ثمرة مشروع ديني متكامل، صاغه علماء دين، ونفذته ميليشيا، وبدا في تمتين مشروعه السياسي في دخول الندوة البرلمانية عام 1992. من هنا، فإن الحديث عن فصل بين جناحين عسكري وسياسي لا يصمد أمام حقيقة التأسيس: السلاح هو العقيدة، والسياسة هي غطاؤها.