تعمّمت منذ ميثاق الطائف سنة 1989، حسب توصيف الرئيس حسين الحسيني خلال ندوة عقدتها المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم: «لم يقرأ ولم يفهم جيدًا»، سجالات خرقًا لقواعد دستورية بديهية وعالمية في ما وصف «بالترويكا»! لا يستقيم بشكل عام أي نظام دستوري في العالم، إن كان ذلك في سويسرا أو ألمانيا أو الدنمارك، إذا كانت الدولة لا تمتلك كامل وظائفها السيادية منذ اتفاقية قاهرة سنة 1969 ثم اتفاقية قاهرة متجددة في 6/2/2006. لكن ما تزال مخيّلة ذهنية لبنانية متأثرة بممارسات تم استغلالها طوال سنوات من قبل سلطات الاحتلال المباشر أو بالوكالة. ويعمّم هذه الذهنية قانونيون، ولا نقول حقوقيين، وكتّاب ببغائيون ينقلون خطاب السوق.
من عايش وتابع، وان كان ذلك جزئيًا، تاريخية ميثاق الطائف في السنوات 1975-1990 يدرك عبقرية ما توصل إليه المجتمعون في سبيل ترشيد حوكمة نظام برلماني تعددي في لبنان ولبنانيًا مع الحرص المطلق على مبدأ الفصل بين السلطات وقوة التوازن، وليس توازن القوى كما درج ذلك طوال أزمنة الاحتلال المباشر أو بالوكالة.
1. موقع رئاسة المجالس النيابية: الدراسات الدستورية حول موقع رئاسة المجالس النيابية نادرة نسبيًا بالرغم من أهميتها، بخاصة بالنسبة إلى لبنان والأنظمة البرلمانية التعددية ومن منظور مقارن. يعود اهتمامنا بالموضوع منذ 1964 في سياق أطروحتنا الأولى رئاسة المجلس النيابي في السنوات 1920-1976:
Antoine Messarra, La structure sociale du Parlement libanais (1920-1976), Université Libanaise, 1977, 386 p., ch. VI : Deux présidents de la Chambre de 1964 à 1972.
2. جذور ميثاق الطائف وتعديل 1990: ينطلق البحث الاستنتاجي ليس من خطاب السوق، بل من النظرية الدستورية عالميًا بشأن الفصل بين السلطات ومن الاختبار التاريخي اللبناني في ما يتعلق بالمواقع العليا في النظام البرلماني التعددي اللبناني.
في سبيل تحقيق التوازن بين المواقع الثلاثة العليا في لبنان ورد 14 اقتراحًا في سبيل التوازن. تؤدي أكثر هذه الاقتراحات إلى خرق الفصل بين السلطات، كما يتبيّن من خلال مشاركتنا في وساطة ألمانية أوروبية - فاتيكانية بمبادرة Franz-Josef Strauss بعد الاتفاق الثلاثي: أنطوان مسرّه، الوساطة الدستورية الألمانية - الأوروبية - الفاتيكانية بعد الاتفاق الثلاثي تاريخ 28/12/1985، من 24/9 إلى 3/10/1986، المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم، سلسلة «وثائق»، رقم 107، 2018، 198 ص، ص 7-9.
أنطوان مسرّه، جذور وثيقة الوفاق الوطني - الطائف، المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم، سلسلة «وثائق»، رقم 4، 2019، 545 ص.
ورد في ميثاق الطائف والدستور المعدّل سنة 1990، انطلاقًا من جذور ميثاق الطائف التاريخية، ثلاثة بنود في الدستور اللبناني انسجامًا مع المعايير الدستورية عالميًا وفي الحالة اللبنانية:
- رئيس الجمهورية هو «رئيس الدولة» (المادة 49 الجديدة).
- الحكومة سلطة «إجرائية» (الفصل الرابع) وليست برلمانًا مصغرًا وحيث يتم في الحكومة تمثيل «الطوائف»، وليس بالضرورة قوى برلمانية وأحجام وحصص...! (المادة 95).
- رئاسة المجلس النيابي، كما المواقع الأخرى في رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة، ليست مواقع نفوذ pouvoir، بل سلطة ناظمة autorité انطلاقًا من التمييز الروماني بين potestas و auctoritas، حيث هذه الأخيرة مقيّدة بقواعد ناظمة، وليست اعتباطية ومصلحية واستنسابية، نقيضًا لمقولات الحجم والحصص والمواقع!
يمارس المجلس النيابي الوظيفة الأم في السيادة الوطنية والتشريع والانتظام. إنه مؤتمن على التشريع ومراقبة العمل الحكومي ومحاسبة الحكومة والسهر على انتظام المؤسسات وتأمين مصالح الناس الحياتية والاستقرار والسلم الأهلي. تندرج طبعًا في هذا السياق مساهمة رئاسة المجلس النيابي في إرساء قواعد السلم الأهلي والتفاوض وحل النزاعات سلميًا (حيدر خضر المولى، «الميثاقية ودور وموقع مجلس النواب اللبناني بعد اتفاق الطائف»، الحياة النيابية، المجلد 137، 2025، ص 83-98).
يمارس النائب، وكذلك رئيس المجلس النيابي بشكل أعمق، ثلاث وظائف: التشريع والمراقبة وأيضًا الوساطة médiation (ولا نقول الواسطة!) في العلاقة الحقوقية واليومية بين المواطنين والحكم والتعبير عن حاجات كل المناطق والناخبين.
***
إن المواقع الثلاثة العليا في قمة الحكم في لبنان– كما في كل الأنظمة الدستورية في العالم – هي متمايزة تمامًا وبإطلاقية، في وظائفها وانسجامًا مع مبدأ الفصل بين السلطات وشرط التطبيق الفعلي والممارسة وهي ليست متداخلة اطلاقًا. حين تستقيم، بشكل أفضل، المواقع الثلاثة العليا، بعد استعادة لبنان الدولة، يمكن الأمل بالانقاذ والنهوض.
عضو المجلس الدستوري، 2009-2019