الياس دمّر

عن الذين لا يعرفون ماذا يريدون

سينما التفاصيل الصّغيرة والوجع الكبير مع Joachim Trier

3 دقائق للقراءة

في برمجة سينمائيّة لافتة، تُقدّم "سينما متروبوليس" دورة مُخصّصة لأعمال الكاتب والمُخرج النرويجي Joachim Trier، أحد أبرز الأصوات في السّينما الأوروبيّة المعاصرة، عبر أربعة أفلام تشكّل قراءة متكاملة لمسيرته الفنيّة واهتمامه العميق بالإنسان، وعلاقاته وهشاشته الوجوديّة. لا تُعرض هذه الأفلام بوصفها أعمالًا منفصلة، بل كمسارٍ واحد يتطوّر فيه الأسلوب وتتعقد الأسئلة من فيلمٍ إلى آخر.


الإنسان أوّلًا

يُفتتح البرنامج بفيلم "Sentimental Value"، أحدث أعمال تريير وأكثرها نضجًا. يتناول الفيلم عائلة مُفكّكة تعود إلى التلاقي بعد وفاة الأم، مع رجوع أب غائب يحاول استعادة علاقته بابنتَيه من خلال مشروع سينمائي. هنا، تُصبح السّينما نفسها أداة مواجهة ومساءلة، لا وسيلة خلاص سهلة.

يعتمد المُخرج على إيقاعٍ هادئٍ، لقطاتٍ طويلة، وحواراتٍ مشحونة بالصّمت والخذلان، ليُحوّل المنزل العائلي إلى مساحة للذاكرة والصّراع. الفيلم يُوسّع عالمه السّينمائي من الفرد إلى العائلة، من دون التخلّي عن حساسيّته النفسيّة الدقيقة! الشريط حاز "الجائزة الكبرى" لـ "مهرجان كان" السّينمائي الدّولي الأخير (سابقًا كان اسمها "جائزة لجنة التحكيم الكبرى"). كما نال أخيرًا جائزة "الغولدن غلوب" لـ "أفضل ممثل بدور مساعد"، والتي مُنحت للمُخضرم المُبدع Stellan Skarsgård.


إلى البدايات

ثمّ يعود بنا فيلم "Reprise"، أوّل أفلامه الروائيّة، إلى البدايات. يُركّز العمل على صداقة شابَّين يحلمان بالكتابة والنجاح، ويصطدمان بواقع الحياة، المرض والفشل. رغم بساطة الشكل، يبرز منذ البداية أسلوب يواكيم تريير القائم على اللّعب بالزمن، الرّاوي غير التقليدي والاقتراب الحميم من شخصيّاته. الفيلم يحمل روح الشباب والاندفاع، ويؤسّس للثيمات التي ستتكرّر لاحقًا في أعماله، مثل الطّموح، الهويّة، والخيبة بوصفها جزءًا من التجربة الإنسانيّة.


شبح الماضي

أمّا "Oslo, August 31st"، فيُعدّ من أكثر أفلام تريير قتامة وعمقًا. يتابع الفيلم يومًا واحدًا في حياة شاب يُعاني من الإدمان والاكتئاب، يعود إلى مدينة أوسلو ويواجه أشباح ماضيه وعلاقاته المنقطعة. بعيدًا من أيّ مَيل إلى الميلودراما، يُقدّم تريير معالَجة هادئة ومؤلِمة في آن، حيث تصبح المدينة مرآة للحالة النفسيّة للشخصيّة. اللّقطات الطويلة، الصّمت، والمشي في الشوارع، تمنح الفيلم طابعًا تأمُّليًا، وتُحوّل الزمن إلى عبءٍ ثقيل لا يمكن الفكاك منه.


البحث عن الذات

ختامها مع "The Worst Person in the World"، الفيلم الذي يُمثل ذروة ثلاثيّة أوسلو وأكثر أفلام يواكيم تريير جماهيريّة وتأثيرًا. عبر شخصية "جولي"، يرسم المُخرج "بورتريه" جيل يعيش القلق، التردُّد، والخوف من الالتزام العاطفي والمهني. الفيلم مُقسَّم إلى فصول، ويستخدم السّرد المُتقطّع والمونتاج الحيوي والموسيقى، بوصفها أدوات تُعبّر عن الزمن الداخلي للشخصيّة. بعيدًا من الكوميديا الرومانسيّة التقليديّة، يُقدّم تريير تجربة إنسانية صادقة حول البحث عن الذات ومعنى الحب في عالمٍ سريع الإيقاع ومليء بالخيارات.

تُظهر هذه الدورة السينمائيّة مُخرجًا يُطوّر أدواته باستمرار، ويُعيد طرح الأسئلة نفسها بصيغٍ مختلفة: كيف نعيش مع ذاكرتنا؟ كيف نواجه الفقد، الفشل والخوف من المستقبل؟ ومن خلال هذه الأفلام الأربعة، تتجلّى سينما يواكيم تريير كسينما إنسانيّة حسّاسة، تجمع بين البساطة والعُمق، وتؤكّد مكانته كأحد أهم صانعي السّينما المعاصرة في أوروبا اليوم.

للاطّلاع على كافة تفاصيل العروض في "سينما متروبوليس"، مار مخايل - بيروت، زوروا موقع www.metropoliscinema.net.