طانيوس شهوان

فِعلة الأب Guilherme الكنيسة والحداثة والحداثوية

5 دقائق للقراءة

آثرت عدم التعليق على ما رافق زيارة الأب Guilherme الى لبنان وتابعت بإهتمام التعليقات المختلفة، والتي كانت في غالبيتها مسيحية (آسف لهذا التصنيف) وهذا جيّد ويحسب للمسيحيين، والمتصلة بها والتي تراوحت بين حدّين: الاول، المعارض له باستشراس بلغ حدّ الطلب من القضاء منع عرضه الموسيقي، والثاني المؤيد والمرحب به بقوة والذي تجلى بالمشاركة الحاشدة في الذبيحة الالهية في جامعة الروح القدس في الكسليك وخلال الحفل السبت ليلاً. لن أدخل في هذا السجال الذي احترم كل أطرافه، واعتبر أن كل من الذين عبّروا عن رأيهم على هذا الصعيد منطلقاته وأسبابه «المشروعة».

في الواقع كثرت المقاربات والحجج التي تصبّ في مصلحة هذا الرأي أو ذاك. وهذا أمر صحيّ إذ أنّ الاختلاف في الرأي هو دليل صحة وعافية، وهو يكشف عن منسوب الحرية في المجتمع اللبناني، ويظهّر حرية الضمير عند المعترضين، وهذه الميزة، أي حرية الضمير، هي إحدى ميزات لبنان التفاضلية في المشرق والعالم العربي على السواء. لكن ما أريد أن ألفت اليه هو علاقة الايمان مع الحداثة (Modernité) والحداثوية (Modernisme) على السواء، لأنني أعتقد أن من أيّد أو من اعترض على « فعلة » الأب Guilherme إنطلق في موقفه، بطريقة واعية أو غير واعية، من هذين المفهومين ، وقد يكون أن فاته التمييز بينهما.

«الحداثة هي في الواقع توصيفٌ تاريخيّ للواقع الإنساني» كما تَشكّل في مساره التطوري عبر الزمن، أمّا الحداثوية فهي نزعةٌ أيديولوجية تسعى إلى إخضاع الإيمان والحقيقة الدينية لمنطق العصر ومعاييره المتغيّرة؛ هذا بالمنظور الديني السميحي ولنقل الكاثوليكي تحديداً. بالمعنى الاجتماعي ، الحداثة هي التحوّل البنيوي في أنماط التنظيم الاجتماعي والثقافي عبر التاريخ، في حين أنّ الحداثوية تمثّل موقفًا إيديولوجيًا يُضفي طابعًا معياريًا حصريًا على هذا التحوّل ويحوّله إلى نموذج ملزم للفهم والسلوك.أما على المستوى السياسي، فالحداثة هي إطار تاريخي تطوري تشكّلت ضمنه الدولة والمؤسسات والفاعلون السياسيون المعاصرون، فيما الحداثوية توجّه أيديولوجي يسعى إلى فرض قراءة واحدة للسياسة والتقدّم والسيادة باسم «روح العصر». الكنيسة من جهتها من مؤيدي الحداثة في كل تشعباتها وليست مُؤدلِجة حداثوية على الاطلاق، وجاء هذا بعد مسار طويل من الصراع بين الايمان والعلم، والخلط بين الحداثة والحداثوية. هذه هي قناعة الكنيسة الجامعة اليوم ومواقفها من كلا المفهومين. فللذين لا يعرفون، أسست الكنيسة الكاثوليكية أكاديمية للعلوم في العام 1603 تحت مسمى Accademia dei Lincei ، وكان غاليليو عضواً فيها. وكانت أول أكاديمية علمية في أوروبا، وعلى نسقها تأسست الاكاديميات العلمية فيما بعد في فرنسا وانكلترا في النصف الثاني من القرن السابع عشر. وفي العام 1979، ولمناسبة الذكرى المئوية لولادة أنشتاين، طلب البابا يوحنا بولس الثاني من الاكاديمية مراجعة « مسألة غاليليو »، فنتج عن ذلك كتاباً هاماً تحت عنوان : « النظرة الجديدة الى العالم: الحوار بين الايمان والعلم بعد غاليليو »، الذي قدّمه الكاردينال الفرنسي بوبار (Cardinal Poupard) . ومنذ العام 1936 ، تاريخ إعادة هيكلتها من قبل البابا بيوس الحادي عشر، ضمّت هذه الاكاديمية كبار الباحثين في المجالات العلمية كلها، وكثر منهم من الحائزين على جائزة نوبل. لم يكن الانتماء الديني مقياساً للانضمام الى الاكاديمية، فكان من بين أعضائها المعيّنين من قبل الحبر الاعظم، كبار العلماء المسيحيين واليهود والمسلمين والملحدين على السواء. وتعمل الاكاديمية بشكل مستقل تماماً عن الكنيسة الكاثوليكية ولا تتدخل الكنيسة في أي من أعمالها؛ وهذا مهم جداً. وهي تضع الكنيسة في أجواء آخر مستجدات تطور العلوم على أنواعها وفي كل المجالات لتنعم الكنيسة ومؤسساتها التفكّر في مسار « الحداثة » وترشيد الناس في شأن هذه الامور.

كل هذا العرض لتبيان موقف الكنيسة من الحداثة والحداثوية على السواء، ومن مسارات النماء الانساني بكل أشكاله وترجماته الواقعية في الحيّز الاجتماعي-الثقافي. وتالياً فالكنيسة هي رفيقة للحداثة ومتنبهة الى دقائق تطورها، وتسعى الى تعزيز الحوار بينها وبين العلم والايمان و«روح العصر». من هنا أسأل : أين تتموضع « فعلة » الأب Guilherme في هذا السياق ؟ هل هي فعل حداثة أم فعل حداثوي ؟ و«للمتشددين» في هذا السياق أدعوكم الى التأمل في المزمور 150 من سفر المزامير، وهو نص نردده على مدار السنة في كل الطقوس الليتورجية، وهذا نصّه : « هَلِّلُويَا. سَبِّحُوا اللهَ فِي هَيْكَلِهِ. سَبِّحُوهُ فِي قُبَّةِ قُوَّتِهِ. سَبِّحُوهُ عَلَى أعْمَالِهِ الجَبَّارَةِ. سَبِّحُوهُ عَلَى قَدرِ عَظَمَتِهِ الفَائِقَةِ. سَبِّحُوهُ بِصَوْتِ البُوقِ. سَبِّحُوهُ بِالعُودِ وَبِالقِيثَارَةِ. سَبِّحُوهُ بِالدُّفُوفِ وَبِالرَّقصِ. سَبِّحُوهُ بِالوَتَرِيَّاتِ وَبِالنَّايِ. سَبِّحُوهُ بِالصُّنُوجِ العَالِيَةِ. سَبِّحُوهُ بِالصُّنُوجِ المُدَوِّيَةِ. فَلِيُسَبِّحِ اللهَ كُلُّ مَا يَتَنَفَّسُ!». أما فيما يتصل بنتائج وآثار « فعلة » الاب Guilherme فأعتقد أن أفضل الاجوبة هي ما قاله بولس الرسول في رسالته الاولى الى الكورنثيين : « أنا غرست وأبلوس سقى ، لكن الله كان ينمي.» فالله وحده يعرف آثار « فعلة »» Guilherme.» لا أحد غيره.