ملف لبنان ليس على النار في واشنطن، وإن كان مفتوحًا في إسرائيل على نار حرب تبدو مقررة في انتظار تحديد الموعد. والسبب ليس مجرد إعطاء وقت للاتصالات ورؤية ما تفعله بيروت الرسمية بمقدار ما هو ترتیب الأولویات. فالأولوية لدى الرئيس دونالد ترامب بعد فنزويلا، هي، أولًا، لغزة والانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب التي عنوانها سحب سلاح "حماس" وتألیف مجلس السلام وتشکیل قوة الحماية العربية والإسلامية وتأليف حكومة انتقالية فلسطينية في القطاع. وهي ثانيًا، لترتيب نوع من التفاهم أو الاتفاق بين سوريا وإسرائيل رعت أميركا المدخل إليه في مفاوضات باريس.
وهي، ثالثًا، مراقبة ما يحدث على الأرض في إيران من احتجاجات لتقرير الخطوة التالية الحاسمة لإكمال المهمة في حرب طهران وضرب أذرعها في المنطقة .
ذلك أن الضغوط العربية والدولية لم تتغير في التركيز على مسألتين: السلاح والإصلاح. ومجلس الوزراء أخذ وقته في القيام بخطوات عملية في المسألتين، لكنها خطوات غير كاملة ولا كافية. ولا أحد يعرف متى تكتمل وكيف، على الرغم من الكلام المعلن في العواصم ومعرفة الجميع في لبنان أنه لا مجال لإخراج البلد من المأزق العميق من دون سحب السلاح وتحقيق الإصلاحات المالية والاقتصادية. ففي كل يوم يزداد تشدد "حزب الله" في رفض سحب السلاح خارج جنوب الليطاني. ومشروع قانون "الفجوة" المالية يكثر المعترضون عليه، وأولهم اللصوص الذين سطوا على المال العام والخاص ويرفضون إعادة شيء مما سرقوه ويضمنون اللامحاسبة واللاخروج من مواقعهم في لعبة المال والسلطة.
والمسألة ليست أن الوضع معقد، وهو معقد بالفعل، بل أن المصرّين على تحدي السلطة والاستقواء عليها يتصرفون كأن رفض الإصلاح وسحب السلاح مسألة بسيطة جدًا لا عواقب لها. فما قرره مجلس الوزراء للمرة الأولى منذ سنوات طويلة كان نوعًا مما سماه الرئيس الراحل الدكتور سليم الحص استخدام "سلاح الموقف". وبقي إقدام المجلس على خطوة أكبر هي ممارسة قوة الشرعية على القوى غير الشرعية. فالقوي ليس من يهدد بحرب أهلية بل من يمنعها ويواجه من يفتعلها بقوة الشرعية المدعومة من الأكثرية الشعبية. ولا ضعيف إلا من يستضعف نفسه.
والوقت حان لأن تعيد الشرعية لبنان إلى هويته ودوره التاريخي. فالتجارب، وأحدثها "حرب الإسناد" لغزة وما حدث فيها، تؤكد أن الوطن الصغير ليس الموقع المناسب لأن يكون رأس حربة في حروب تبدأ بتحرير فلسطين ولا تنتهي بأن تصبح دول المنطقة تحت النفوذ الإيراني بالفعل، إن لم تصبح جزءًا من "إيران الكبرى". وهي حروب قادت حتى الآن إلى ضرب أذرع إيران وانحسار نفوذها ومشروعها الإقليمي، وسمحت لكل من إسرائيل وتركيا بالتمدد في الأرض العربية ومد النفوذ إلى عواصمها. وحتى حين كانت الدول العربية في مرحلة الحروب الكلاسيكية مع إسرائيل. فإن لبنان جرى تصنيفه في خانة "دولة مساندة" ولم يخسر أرضًا في حرب 1967 وحرب 1973.
يقول كريستوفر غيلبي من جامعة ديوك إن "الحرب الأهلية هي اسم مستعار للحرب التي لا تستطيع ربحها".