نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية مقابلة خاصة الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز حكمت الهجري، وجاء في متن المقابلة التي نشرت عبر موقع "ynet" الإسرائيلي: "في الأشهر الأخيرة، عاش الدروز في سوريا ظروفًا قاسية، شملت مذبحة وحشية راح ضحيتها أكثر من ألفي شخص. وأكد الشيخ حكمت الهجري، أن "هذه حكومة داعشية، امتداد للقاعدة"، متحدثًا عن التكاليف الكبيرة، والعلاقة مع إسرائيل، وطموح الاستقلال، مؤكدًا أن "مستقبل سوريا - تقسيم".
ويضيف الهجري: "ندفع ثمنًا باهظًا، لكن نضالنا يتمثل في البقاء صامدين والحفاظ على هويتنا بكرامة وفخر". ويشير إلى أن الأمر لا يقتصر على الحكومة الحالية فقط، بل يمتد إلى سلسلة أيديولوجية، موضحًا: "حتى النظام السابق عمل ضدنا، لكن النظام الحالي هو الأكثر وحشية. هم لا يريدون فقط القضاء على الدروز، بل على كل أقلية لا تتشابه معهم".
بعد ستة أشهر على واحدة من أفظع المذابح في تاريخ الطائفة الدرزية، يتحدث الهجري بصراحة عن الجرح المفتوح، وواقع الحصار، وطموح إقامة كيان درزي مستقل في السويداء. ويقول: "السبب الوحيد لقتلنا هو كوننا دروزًا. إنها حكومة داعشية امتداد مباشر للقاعدة".
ويصف المذبحة التي وقعت في يوليو الماضي بأنها شملت الإعدامات والاغتصاب والتعذيب وحرق النساء والأطفال والرضع أحياء، مؤكداً: "كان هذا قرارًا من النظام المظلم في سوريا ومن جميع الجماعات الإرهابية التي تعمل من دمشق. إنها إبادة جماعية".
"الثمن الباهظ لم يذهب سدى"
الشيخ الهجري، البالغ من العمر 60 عامًا، ولد في فنزويلا، حيث هاجر والده ومعه مجتمع كبير من الدروز، ويعيش هناك نحو 150 ألف درزي، ما يجعلها رابع أكبر تجمع للطائفة في العالم. عاد لاحقًا إلى سوريا ودرس القانون في جامعة دمشق.
وفي عام 2012 خلف شقيقه في منصب الزعيم الروحي للطائفة الدرزية بعد وفاة شقيقه في حادث سيارة لم يُحل لغزه حتى اليوم، مع وجود شبهة حول تورط نظام بشار الأسد. وتستمر عائلة الهجري في قيادة الطائفة منذ القرن التاسع عشر.
ويقول الهجري: "المذبحة الأخيرة أثبتت لنا أنه لا يمكن الاعتماد على أي طرف آخر لحماية طائفتنا. الثمن كان باهظًا جدًا، لكنه لن يذهب سدى. نحن نبحث عن مستقبل لا يكون فيه الدروز ضحايا بعد الآن".
ويصف الوضع في السويداء منذ يوليو 2025: "كل الشباب والكبار مجندون للدفاع عن البيت ووجودنا. كانوا يريدون القضاء علينا". ويضيف أن الحياة في السويداء صعبة للغاية، ولا توجد حرية دخول أو خروج، ولا يستطيع من يعمل خارج المحافظة العودة إلى عمله، فيما يتجنب الطلاب الدراسة في أماكن أخرى في سوريا. كما أن المرضى لا يمكنهم الحصول على العلاج في المستشفيات خارج المحافظة، بينما يُرسل مرضى السرطان المحتضرون إلى الموت لعدم وجود قسم أورام بالمحافظة. وقد عالجت إسرائيل مئات المرضى والمصابين في مستشفياتها.
وتعرضت قرى كاملة للحرق ولجأ السكان إلى المدارس والمباني العامة، فيما يوجد نقص شديد في الغذاء والأدوية. ويختصر الهجري الوضع بالقول: "المواطنون يواجهون واقعًا صعبًا جدًا".
"أيديولوجية القاعدة"
السويداء، المعقل الأكبر للطائفة الدرزية في العالم، يبلغ عدد سكانها نحو نصف مليون، إضافة إلى مئات الآلاف الذين هاجروا لدول أخرى بسبب صعوبات العيش في عهد نظامي الأسد الأب والابن. وتسيطر حكومة الانتقال السورية حاليًا على 36 قرية محروقة تمثل نحو 5% من مساحة المحافظة البالغة 5,550 كم².
وفي الأشهر الأخيرة، تم إنشاء الحرس الوطني، وهو بمثابة جيش درزي يعمل في السويداء، ويعتمد على أبناء المنطقة النشطين محليًا، مع وجود اهتمام عام بالانضمام إليه رغم قيوده اللوجستية، والتي ستتجاوز مع تقدم عملية البناء والتنظيم.
ويؤكد الهجري: "لا يوجد ممر إنساني مع إسرائيل، وهذا يصعّب الحصول على المساعدات، لكن ليس سرًا أن إسرائيل كانت الدولة الوحيدة في العالم التي تدخلت عسكريًا وأنقذت حياتنا من الإبادة الجماعية عبر الغارات الجوية التي أوقفت المذبحة بالفعل".
ويضيف: "العلاقة بين إسرائيل والدروز في سوريا ليست جديدة، وقد نمت قبل سقوط حكم الأسد، وهناك روابط دم وعائلات. إسرائيل دولة قائمة على القانون الدولي، وهذه الأيديولوجية التي نطمح إليها. نحن محبّو سلام، ولسنا معتدين، ونريد الحفاظ على هويتنا المميزة".
ويشير إلى أن أي اتصال مع أصحاب الجنسية الإسرائيلية كان ممنوعًا أثناء حكم الأسد، مع استخدام التخويف المنهجي ضد الصهيونية، لكن السوريين لم يقطعوا علاقتهم بالكامل مع الدروز في إسرائيل. ويقول: "هناك دعم دولي عبر الإعلام ومؤسسات حقوق الإنسان. نحن نطالب بالوصول ليس فقط للإدارة الذاتية، بل لإنشاء منطقة درزية مستقلة".
خيبة أمل من العالم العربي
يعبر الهجري عن خيبة أمل كبيرة من العالم العربي: "لا توجد دولة عربية واحدة دعمتنا، اختارت الوقوف إلى جانب القاتل وليس الضحية. الإعلام العربي صورنا كأبناء للشيطان". ويضيف أن أي زعيم عربي لم يندد بالمذبحة، وأن هناك دولًا متورطة مباشرة في دعم النظام، وعلى رأسها تركيا.
ويؤكد: "اليوم لا يوجد أي اتصال مع حكومة دمشق. أيديولوجيتهم هي أيديولوجية القاعدة، ولا يمكن العيش تحتها كطائفة درزية". ويشير إلى أنه حتى مارس 2025 كانت هناك محاولات لبناء دولة مدنية ودستور متساوٍ، لكنها فشلت، مضيفًا: "كل من يتعامل مع هذا النظام سيمهد الطريق لدخول الجهاديين إلى دولته". وما زال لدى النظام أكثر من 200 مخطوف، بينهم أطفال مجهولو المصير.
ويقول إن كل مكونات المجتمع السوري تعرّضت لعنف شديد، بما في ذلك العلويون، وأن هناك فهمًا واسعًا بضرورة ضمان حقوق كاملة لكل مجموعة. ويؤكد وجود علاقة استراتيجية مستمرة مع القوات الكردية ويثني على أدائها المدني والأمني.
كيف يرى المستقبل؟
يجيب الهجري: "نرى أنفسنا جزءًا لا يتجزأ من كيان الدولة الإسرائيلية، كذراع أقامت تحالفًا مع إسرائيل. العلاقة دولية ومهمة. إسرائيل هي الطرف العادل والموثوق لأي ترتيبات مستقبلية".
ويضيف أن المطالبة الرئيسية هي بالاستقلال الكامل، مع احتمال وجود مرحلة انتقالية من حكم ذاتي تحت إشراف طرف خارجي محايد، مؤكداً: "بالنسبة لي، دولة إسرائيل هي الطرف المناسب لذلك". ويختم: "سوريا تتجه نحو التقسيم وبناء حكم ذاتي مع استقلال. هذا هو المستقبل. هكذا نبني مستقبلًا أفضل للأقليات واستقرارًا إقليميًا لكل الشرق الأوسط".