المحامي محمد آصف ناصر

شايلوك: الرقص في النيران

5 دقائق للقراءة

بناء على أمر تنفيذي وقعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب فإن معدل فائدة بطاقات الائتمان لن يتخطى ابتداءً من 20 كانون الثاني 2026 سقف الــ10% في الولايات المتحدة الأميركية فيما تتقاضى الشركات المالية والمصارف حاليًا نسبة 30%، وفي حالات التعثر والتأخير تصل الفائدة أحيانًا إلى 200% من أساس الدين، فبطاقة الائتمان، كـ"سيرنيات أنثيمويسا" في الأوذيسية، تجذبك بالقدرة الشرائية المؤقتة والرفاه الوهمي، وتحطم حريتك على صخور الفوائد التي يمكنك تصنيفها بالربوية دون حرج. انبرى عدد من الليبراليين الديمقراطيين لانتقاد الأمر التنفيذي بحجج عنكبوتية زعموا أنها قانونية وأخرى مالية حاموا بها عن هذه الفائدة الربوية بأنها قروض منخفضة الائتمان ولكن بالحقيقة لا تمنح بطاقة إئتمان دون حسابات أكتوارية دقيقة للشريحة المجتمعية التي تستهدفها، ولو كان السبب في ارتفاع معدل الفائدة لبطاقة الائتمان في الخليج ولبنان والولايات المتحدة يعود فقط إلى انخفاض عامل ائتمان الدين لكانت أوروبا تعاني معدل الفائدة عينه؛ لكن في أوروبا وبالرغم من موجة النزوح والوافدين ذوي الغايات الانتفاعية، التي لا تمت إلى المواطنة بصلة، فإن معدل الفائدة على بطاقات الائتمان لا تتجاوز الـ14%.

في مسيرتي المالية تعرفت على كافة أنواع القروض، وتعلَّمت أن القرض الاستهلاكي هو قيد العبودية المحدث، فترى خريجوا جامعات في الغرب يرزحون تحت نير قروض دراستهم فيقضون زهرة شبابهم يعملون في أي وظيفة ليضمنوا سدادها، ومن هذه النقطة يبدأ تقهقر مسيرتهم المهنية. أما في بلادي فمع تدهور العملة وسقوط النظام المصرفي وتوقفه عن الدفع فتجاوز معدل الفائدة 6600%.

هذه النسب تستحضر إلى الأذهان شايلوك في مسرحية تاجر البندقية لشيكسبير، غير أن شايلوك لم يعد اليهودي الذي عبَّر بواسطته شكسبير عن ثقافة عصره ومعاداة مجتمعه للسامية، فهو لا يضمن دين أنطونيو برطل من اللحم، بل برطل من الروح، شايلوك ليس يهوديا بل هو الغيتو والحنق الأقلوي والاحتباس بالخوف، والحاجة لشفاء الغليل من القهر المستمر، شايلوك قبل أن يحقد على أنطونيو حقد على أبناء جلدته وأسرهم في رقعة من الأمان المزعوم يستطيع في أي لحظة أنطونيو أن يبصق في وجههم ويذلهم ويدعوهم إلى العواء وإن لم ينفذوا قتلهم. شايلوك هو الرجعية الخائفة الذُمّية التي تسجد عند كل سلطة، رافعة الابتهال مطأطئة الرؤوس "منكم نتعلم ومنكم نستفيد نحن الجهلة الاميين". شايلوك ليس الصورة التي رسمها باري نافيدي عندما أشرك آل باتشينو في فيلم The Merchant of Venice بل كاريكاتور قزم ممسوخ الخلقة مستعد للإنبطاح والكذب طالما يتمكن من الوصول إلى مبتغاه. وبين شايلوك الكراكيب وشايلوك شيكسبير وحدة مسار ومصير.

لم تتمكن الحركة الصهيونية العالمية من تحقيق أهدافها لو لم تنقلب على شايلوك، هذا الانقلاب تجاوز مفاهيم الغيتو والعتمة، إلى مفهوم الامن الاجتماعي المؤسس على التشاركية الندية مع المحيط وليس الانبطاحية الربوية العفنة، عندما أحرق اليهودي ثوب المرابي ولبس ثوب المحامي في نيويورك والطبيب في هيوستن في تلك الحقبة فقط تغيّر مصيره، وهناك رغم اغتصاب الأرض وتهجير أهلها الأصليين حقق اليهودي قضيته وحقه بالحياة فتجاوزت نسبة الإسرائيليين الذين يساندون استمرار الحرب الأخيرة 70% بينما في ضفتنا لم يكن الواقع هكذا، فوطن لا يضمن حق مواطنيه بالحياة وتتبخر مدخرات المقيمين والمغتربين فيه فيما يحتفل أحدهم بعرس نجله في باريس بملايين الدولارات هو وطن لا يمكن الدفاع عنه.

شايلوك هو العبثية الوجودية المتجلية بالحروب الانفعالية والشعارات الخاوية الجوفاء فيسقط كل شيء وتحترق الهمم والحاصل صورة ليزرية على صخرة الروشة ترعب المستثمر وتحبط المتأمل ويكدح في ظلالها الصابر حتى يلقى ربه.

فالمواجهة هنا غير متكافئة، بين مواطن يسعى في جبل محسن إلى سلطان القانون والعدالة ومنظومة تلقى دعم المكتب السياسي وتسجد عند خصومه فتلقى دعم هذا وإسناد ذاك وتتسلح بالزعران والسلاح و"المال النظيف" وفساد بعض رؤساء المخافر. الحصار هنا لا يأتي فقط من وراء الحدود، ولا من بضع أبواق حاقدة تتسلح بالكراهية وخرافات زمن انقضى وتهمة الفلول، ولا التهجير والتجويع والاذلال والطرد من الوظائف، بل يواجه العلوي المطالبة بسداد فواتير البعث من دمائه وروحه ويقينه. فشايلوك الذي نشأ في حضن البعث وترعرع في مدارسه نشأ في عقائد الإسلام السياسي وتخرج إرهابيا من كل الطوائف يطالب المواطن المسحوق في زمن البعث أن يسدد فواتير ما تنعم به شايلوك.

إنها إذا لقسمة ضيزى: عندما كان شايلوك الكراكيب وشريكه شايلوك الإرهاب والكباب وشقيقهما شايلوك المكتب السياسي يتقاسمون المال والمنافع وتتدخل أجهزة السلطة البعثية لتضمن تحكمهم بالمؤسسة الدينية العلوية في لبنان على حساب المواطن والمجتمع العلوي كان المواطن من كل الطوائف وأولها العلوي يسدد فاتورة بذخهم بعرقه وكفاحه وخوفه، والاسم الموضوع على الحدود، والقرار الذي نكّل بالإرادة العلوية في لبنان والساحل الشرقي للمتوسط جاء اليوم ملتحيًا ليُحَصِّل منا فاتورة ما تنعم به المترفون.

قرار ترامب اليوم بسقف الـ10% هو سعي لتخفيف العبء عن المواطن الأميركي، أما في لبنان فالمطلوب سقف يحد من الفوائد الدموية والأثمان الباهظة: أثمان الفوضى والفساد والهيمنة؛ المطلوب ليس فقط إصلاحًا ماليًا بل تحريرًا سياسيًا واقتصاديًا يكفل للمواطن حقه بالحياة فيعيش لبنان بعدالة ورخاء بدل من أي يسدد فائدة الخراب والدمار.

هذا الفيلم المكرر الممجوج الذي نشأنا ونحن نعاود مشاهدة فصول قصته، لا بد أن يحترق تحت أشعة الحقيقة.