د. جوسلين البستاني

هل ستتدخل الولايات المتحدة لوقف سفك الدماء في إيران؟

6 دقائق للقراءة
العالم يترقب قرار ترامب (رويترز)

يُظهر تحليل المرحلة التي سبقت "حرب الـ12 يومًا" بين إيران وإسرائيل أن إدارة ترامب، بالتنسيق مع القيادة الإسرائيلية، استخدمت الغموض الاستراتيجي والتأطير الانتقائي للرواية للتأثير في إدراك إيران لحجم التهديد العسكري آنذاك. فقد أكّدت التصريحات العلنية في تلك الفترة استمرار المفاوضات والجهود الدبلوماسية، في حين كانت التحضيرات العملياتية للضربات العسكرية تتقدم بهدوء خلف الكواليس. وأفادت وسائل إعلام رئيسية لاحقًا بأن ترامب ونتنياهو انخرطا في عملية تضليل مُتعمّدة، عبر الإيحاء بوجود خلاف بين واشنطن وتل أبيب، والتقليل من احتمالات العمل العسكري الوشيك.

بالفعل، شدّدت مصادر إيرانية في مرحلة لاحقة على أن هذه الإشارات ساهمت في سوء تقدير توقيت الضربات الإسرائيلية، وهو ما يبرز الدور الحاسم للتصوّرات الخاطئة، التي تُغذيها الرسائل السياسية والإعلامية، في تشكيل ديناميكيات الصراع واتخاذ القرار في بيئات عالية المخاطر.

أمّا في المرحلة الراهنة، فتعمل الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران على مستويين متوازيين في آن واحد: إرسال إشارات قسرية موجّهة إلى الدولة الإيرانية، وتعبئة الخطاب السياسي والإعلامي تجاه المجتمع الإيراني. وفي هذا السياق، حذر الرئيس ترامب علنًا من أن الولايات المتحدة قد تتدخل عسكريًا إذا واصلت السلطات الإيرانية إطلاق النار على المتظاهرين وقتلهم، مشدّدًا على منطق الردع وعلى العواقب المحتملة لاستمرار القمع.

وقد تضخمت هذه التهديدات عبر التغطية الإعلامية، ما يُعزز الانطباع بوجود عزم أميركي، ويُعيد ضبط توقعات طهران حيال حدود السلوك المقبول. في الوقت ذاته، لا يعمل تعليق المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران كأداة ردع فحسب، بل بوصفه أداة سردية تعيد تأطير المفاوضات نفسها على أنها شكل من أشكال المناورة أو الخداع من قبل النظام الإيراني، بما يسحب منها شرعيتها السياسية ويُضيّق هامش استخدامها كورقة تكتيكية.

بشكل عام، تؤكد هذه الديناميكيات الدور المركزي للروايات الإعلامية في إنتاج وتداول التصوّرات الاستراتيجية الخاطئة. فهي تكشف عن بيئات تتقاطع فيها الدبلوماسية والردع والخداع، حيث لا يعمل الإطار الصحفي بوصفه وسيطًا مُحايدًا، بل يشارك فعليًا في بناء تَصوّر التهديد وإعادة تشكيله لدى الأطراف المعنية.

وبهذا المعنى، تبدو تحذيرات ترامب العلنية واضحة وغير مُلتبسة، إذ تربط أي احتمال للتدخل العسكري الأميركي بسلوك إيراني مُحدّد، يتمثل في استمرار إطلاق النار على المتظاهرين وقتلهم. غير أن هذه الصراحة لا تُلغي الطابع الإشاري للخطاب، بل تؤدي وظيفة إشارة استراتيجية مُتعدّدة المستويات. فمن جهة، تنقل هذه التصريحات عزم الولايات المتحدة إلى طهران من دون الكشف عن التخطيط العملياتي، ما يسمح بتشكيل إدراك التهديد من غير التزام فوري بالفعل العسكري. ومن جهة أخرى، تؤثر هذه الإشارات في عملية صنع القرار داخل إيران عبر رفع كلفة القمع سياسيًا ونفسيًا، من خلال الإيحاء بدعم المتظاهرين وربط السلوك الداخلي للنظام برقابة دولية متزايدة وخطاب حقوقي ضاغط.

في الواقع، حتى مع إشارات الولايات المتحدة إلى أن "لعبة الخداع القديمة" التي سبقت أحداث عام 2025 لن تتكرّر، فإن الخطاب الأميركي الحالي يؤدي الوظيفة نفسها جوهريًا: التأثير في تصوّرات الخصوم وتقييد هامش المناورة لدى طهران، وإن كان ذلك هذه المرّة بدرجة أعلى من الشفافية.

ولأن القيادة الإيرانية تدرك تمامًا أنماط السلوك والاستراتيجيات الأميركية والإسرائيلية السابقة، فقد حذر مسؤولون إيرانيون من أن أي تدخل أجنبي سيُقابل بردّ انتقامي يستهدف مصالح إسرائيلية وأميركية، في إشارة إلى وضعية ردع دفاعي تسعى طهران إلى ترسيخها. ومع ذلك، تظلّ التهديدات الأميركية الصريحة باللجوء إلى العمل العسكري في حال استمرار استهداف المتظاهرين عنصرًا مؤثرًا في عملية صنع القرار الإيراني، إذ تفرض على النظام موازنة دقيقة بين كلفة القمع الداخلي ومخاطر التصعيد الخارجي، وهو توازن هش قد ينكسر عند أي سوء تقدير جديد.

إذًا، حتى الإشارات الصريحة يمكن أن تُمثل شكلًا من أشكال الخداع الاستراتيجي عندما يعجز الخصم عن التحقق الكامل من النوايا العملياتية، ما يجعل الغموض، لا التصعيد المباشر، الأداة المركزية في إدارة الصراع ومنع انفجاره، أو دفعه نحو مسارات غير محسوبة. وبناءً عليه، لا يعمل الخطاب الأميركي الحالي بوصفه عدًّا تنازليًا لتدخل وشيك بقدر ما يمثل شكلًا من التكييف القسري، يحافظ على حالة عدم اليقين الاستراتيجي، وفي الوقت نفسه يُعزز الردع ويؤدي وظيفة سردية مؤثرة. وتشير السوابق التاريخية إلى أن الولايات المتحدة، حين قرّرت استهداف الأصول النووية الإيرانية، فعلت ذلك من دون الإعلان المسبق عن التوقيت أو حتى عن نيّة التنفيذ.

من هنا، لا ينبغي الخلط بين تصاعد الخطاب وبين قرب الحدث العسكري. وعلى العكس، لا يمكن تفسير غياب الإشارات التصعيدية على أنه طمأنة أو تراجع. ففي السياسة الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران، يبقى الغموض هو الرسالة، وليس مستوى الضجيج المُصاحب لها.

نحن أمام إدارة لإدراك الخصم (Perception Management) ترتكز على الانتقاء الدقيق للرسائل، وعلى التوقيت، وترك الإشارات مفتوحة للتفسير. فعندما يرسل ترامب رسائل علنية قوية مثل "Help is on its way " إلى الداخل والخارج في آنٍ واحد، فإنه يُبقي كل الخيارات مطروحة من دون الالتزام بتوقيت محدّد لأي ضربة محتملة. والنتيجة أن إيران تجد نفسها عاجزة عن الجزم بما إذا كان التهديد مجرّد أداة ضغط تكتيكي أم نيّة فعلية، إلا أن أثره يبقى ملموسًا: رفع كلفة القمع سياسيًا ونفسيًا من دون أن تتحمّل واشنطن كلفة الحرب في تلك اللحظة، مع إبقاء طهران في حالة عدم يقين استراتيجي.

وعليه، قد يكون هذا الغموض أداة ردع فعّالة، لكنه يحمل في الوقت ذاته مخاطر سوء التقدير. فحين تتأخر لحظة الحسم ويتسع الفارق بين الخطاب والفعل، يتحول التردّد ذاته إلى رسالة قائمة بذاتها، وقد تُقرأ الإشارة لا كقوة محسوبة، بل كعجز عن القرار. وفي الحالة الإيرانية، يُصبح هذا الغموض سيفًا ذا حدّين: إما أن يردع النظام، وإما أن يدفعه إلى اختبار حدود الصبر الأميركي، بما يضع المنطقة بأسرها على حافة تصعيد غير محسوب.

في غضون ذلك، يثير الصمت النسبي للمنظمات الإنسانية ووسائل الإعلام الغربية الكبرى في شأن قتل المتظاهرين الإيرانيين، تساؤلات ملحّة حول مدى اتساق الدعوة العالمية لحقوق الإنسان. فحين نقارن هذا الصمت بسرعة وشدّة الردود تجاه أحداث غزة، يتضح وجود أزمة في الشمولية الأخلاقية في الخطاب الإنساني الغربي، ما يعكس انتقائية في الاهتمام بالمعاناة الإنسانية وفق مصالح أو تحليلات سياسية مُحدّدة.