في شارع هادئ من شوارع مانهاتن، داخل منزل لا يعلن عن نفسه، تُعلَّق الأعمال الفنية ككائنات حيّة، لا كمقتنيات جامدة. هنا، حيث يدير فنسنت فالارينو معرضه للفنون الجميلة، لا يبدو الفن معزولًا عن الحياة اليومية، بل متداخلًا معها إلى حدّ يصعب معه الفصل بين الجدار واللوحة، وبين الساكن والعمل الفني نفسه. هذا المعرض، الذي تبلغ مساحته نحو ألف متر مربع، يقدّم تجربة نادرة، أعمالًا فنيّة تُعرض كما لو كانت جزءًا من حياة يومية طويلة، وليس كمجرّد عناصر للعرض أو البيع.
اختار فالارينو منذ البداية الابتعاد عن نموذج المعرض الأبيض المحايد، الذي يُهيمن على عالم الفن المعاصر. فالمساحة صُمِّمت لتكون بيتًا حقيقيًا، بأثاث من منتصف القرن العشرين، وإضاءة طبيعية، وإيقاع بصري يسمح للعمل بأن يُرى كما سيُرى لاحقًا في منازل جامعي الأعمال الفنيّة. هذا القرار ليس مجرّد قرار جماليّ، بل هو موقف ثقافي يُعيد للفن بُعده الإنساني ويحرّره من طقوس العرض الاستهلاكيّ السريع.
خمسون عامًا مع الفن
منذ أكثر من نصف قرن، يتحرّك فالارينو في عالم الفن من دون أن يلتزم بتعريف واحد لِدَوره فيه. إنه مصوِّر فوتوغرافي، جامع للقطع الفنية، تاجر، ناشر، ومربٍ بصري غير معلن. بدأ التصوير في سن الرابعة عشرة، وعُرضت أعماله وهو في السادسة عشرة، قبل أن يتلقى تدريبه على يد أسماء محورية في تاريخ التصوير مثل مينور وايت وستيفن غيرش وبول كابونيغرو، بالإضافة إلى مايكل هوفمان، محرِّر مجلة "أبرتشر". هذا التكوين المبكر أسّس لعلاقة عميقة مع الصورة بوصفها فكرة قبل أن تكون شكلًا، ما جعل فالارينو أكثر من مجرّد شاهد على تحوّلات سوق الفن، بل فاعلًا رئيسيًا فيها.
تأثر فالارينو منذ بداياته بالمناظر الطبيعيّة، خصوصًا خلال رحلاته المتكرِّرة إلى آيسلندا في سبعينات القرن الماضي، حيث أخذت الطبيعة طابعًا تجريديًا قريبًا من التأمّل. هذا التكوين البصريّ المبكر أعطاه القدرة على رؤية ما وراء الشكل، على فهم الصورة كجسر بين الواقع والفكرة، وهو ما انعكس لاحقًا في اختياراته الفنية وجمعه الأعمال.
من الإبداع إلى الجمع
بين عامي 1976 و 1986، بدأ فالارينو بجمع الصُّور الفوتوغرافية القديمة، ليكوّن أرشيفًا ضخمًا يضمّ أكثر من ألف صورة مطبوعة، تشمل محطات أساسية من تاريخ التصوير. لم يكن الجمع هنا فعلًا عشوائيًا أو لمجرّد الامتلاك، بل مشروعًا معرفيًا متكاملًا، أتاح له لاحقًا التبرّع بهذه المجموعة لمؤسسات عامة مثل "متحف كوريير والفنون" و "المركز الدولي للتصوير الفوتوغرافي" في نيويورك. هذه الخطوة تُظهر موقفه العميق من الفن كموروث جماعي، وليس مجرّد سلعة سوقيّة.
في سبعينات القرن العشرين، كان فالارينو من أوائل تجّار الصُّور الفوتوغرافية الفنية في الولايات المتحدة الأميركيّة، في وقت لم تكن فيه هذه السوق قد نضجت بعد. إدراكه المبكّر لقيمة الصورة كعمل فني مستقل، وليس مجرّد وثيقة، أتاح له فرصًا استثنائية لاقتناء روائع يومية تقريبًا، وهو ما أسهم في بناء حدسه الفني المعروف، والذي يعتمد عليه حتى اليوم في تقييم الأعمال.
"معرض غرينتش" مدرسة السوق
عام 1987، شكّل نقطة تحوّل في مسيرته، حين أسس مع شريكته آبي تايلور "معرض غرينتش" في كونيتيكت، الذي تخصَّص في اللوحات الأميركية والأوروبية من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. على مدار 18 عامًا، تعلّم فالارينو تفاصيل السوق وتقلّبات الذائقة، وفهم العلاقة الدقيقة بين القيمة التاريخية والقيمة التجارية، ما أهّله لاحقًا لإدارة مشروعه الحالي في نيويورك بثقة وفهم معمّق.
النساء في التعبيرية التجريدية
مع عودته إلى نيويورك في منتصف العقد الأول من الألفيّة الجديدة، أسّس معرضه الحالي للفنون الجميلة مع تركيز واضح على الفن الأميركي ما بعد الحرب، خصوصًا التعبيرية التجريدية ومدرسة نيويورك وفن حقل الألوان. لم يكن هذا الاختيار تجاريًا بحتًا، بل نتيجة قناعة فكريّة بأن هذه المرحلة لا تزال تحمل أسئلة لم تُقرأ بما يكفي، وأن أعمالها تحتاج إلى مساحة للتأمل والفهم، بعيدًا من السرعة السائدة في السوق.
ومن بين الملاحظات البارزة في مسيرته، اهتمامه بإعادة تقديم أعمال الفنانات في التعبيرية التجريدية اللواتي هُمِّشن تاريخيًا لصالح سرديّة يهيمن عليها الرجال. ركّز على أعمال فنانات مثل لين دريكسلر، فيفيان سبرينغفورد، وماري أبوت، فساعد على إعادة التوازن إلى المشهد الفني الأميركي. افتتاح معرض "نساء التعبيرية التجريدية" في متحف دنفر للفنون عام 2016، غيّر السوق بشكل جذري؛ ارتفعت الأسعار، وازداد الاهتمام المؤسسيّ، لكن الأهم أن النظرة النقدية تبدّلت، وأصبح ما كان هامشيًا جزءًا أساسيًا من التاريخ الفني.
التجربة الفردية للمُشاهد
ما يميّز فالارينو أيضًا هو اهتمامه العميق بالتجربة الفردية للمُشاهد. بالنسبة له، كلّ عمل فني يحمل قدرة على خلق حوار خاص مع من يراه، بعيدًا من قِيَم السوق أو التقييم النقدي الرسمي. في معرضه، لا يقتصر الأمر على رؤية اللوحة أو الصورة، بل على الطريقة التي تتفاعل بها الألوان والأشكال مع الحركة الطبيعية للضوء، ومع الأثاث والفراغ من حولها. هذا الاهتمام بالتجربة الفردية يجعل كلّ زيارة للمكان مختلفة، حتى لو شاهد الزائر الأعمال نفسها مرّات متعدّدة.
فالارينو يرى أن الفن ليس مجرّد شيء يُعرض بل تجربة تُعاش؛ أن العمل الفني يمكن أن يحفز الذاكرة، ويُطلق تأمُّلات غير متوقعة، ويعيد طرح أسئلة حول المكان والزمان والوجود. هنا، تصبح العلاقة بين الفن والإنسان علاقة متبادلة، حيث يتشكل العمل الفني والحياة اليوميّة في انسجام مستمرّ.
زمن وتأمُّل
فالارينو يصف نفسه بأنه "تاجر أعمال فنية خاص"، يدير مشروعًا يمكن وصفه بأنه "صغير جدًا وكبير جدًا في الوقت نفسه". فهو لا يعمل بالوساطة فقط، بل يمتلك الأعمال ويعرضها في بيئة منزلية مدروسة، ما يمنحه استقلالية نادرة وعلاقة ثقة طويلة الأمد مع جامعي الأعمال. في زمن يهيمن عليه العرض الرقمي والشاشات، يصرّ على نشر "كتالوغ" سنوي ضخم يتجاوز 200 صفحة، كتاب يُمسَك باليد ويُقرَأ ببطء، للتأكيد على أن المعرفة والفن يحتاجان إلى زمن وتأمل، وليس إلى استهلاك سريع.
فالارينو لا يشتري إلّا الأعمال التي يرى فيها الجودة العالية، حتى لو جاءت من مزاد، لأنه غالبًا يعرف عن العمل أكثر من منافسيه. من بين اهتماماته الحالية، مجموعتا ألكسندر ليبرمان ووالتر آلنر، اللتان تمثلان تقاطعًا بين أوروبا والولايات المتحدة، وبين الفن والتصميم والإدارة البصرية، وتظهر طبقات متعدّدة من التاريخ والفكرة في كل عمل منهما.
العزلة الخلّاقة
اليوم، يعيش فالارينو في ميلبروك، في عقار كان يعود لهنري فلاغلر. هناك تحوّلت الحظائر إلى ستوديوات، وأصبحت الطبيعة جزءًا من إيقاع يومه الفني، حيث لكلّ مساحة عالمها الخاص ولكلّ يوم احتماله الفني المختلف. حين يُسأل عن أفضل نصيحة تلقاها، يجيب دون تردّد: "لا تفقد نفسك". يرى أن الصدق مع الذات والقدرة على النمو هما ما يحفظان الشغف حيًا في مواجهة ضغوط السوق والجشع التجاري.
خلاصة تجربة فنسنت فالارينو تكمن في كونه أكثر من جامع أو تاجر أعمال فنية. إنه حلقة وصل بين الإبداع والمعرفة والسوق، رجل يرى في الفن وسيلة لفهم العالم لا للهيمنة عليه. بعد خمسين عامًا من النشاط المستمر، يظل هدفه أن يترك الفن يتحدّث، وأن يُعرض ويُفهم كما ينبغي، بعيدًا من الضوضاء التجارية، مؤكدًا أن القيمة الحقيقية للفن تكمن في القدرة على إحداث تجربة إنسانية، لا مجرّد تحقيق أرباح.