في تقليد عمل المسارح، تقفل الصالات مساء يوم الاثنين من كل أسبوع. لكن "مسرح المونو" اختار مساء الاثنين في 10 آب الجاري ليشرع أبوابه أمام أهل المسرح والصحافة والفن، ويوزع جوائزه على مستحقيها من الفنانين والتقنيين الذين قدموا عروضهم على خشبة المسرح البيروتي العريق في الأشهر الماضية. فماذا عن تفاصيل هذا الموعد الفني المستجد في الروزنامة الثقافية في لبنان؟
هي أمسية احتفاء بالمسرح اللبناني وبجهود أهله الذين واجهوا، وما يزالون يواجهون، الظروف الاقتصادية والأمنية الصعبة التي يمر بها لبنان منذ سنوات. عروض فنية وجوائز وتكريمات سيتضمنها الاحتفال الذي شاءته إدارة "مسرح المونو" سهرة تكريمية للجهود التي بذلها المسرحيون والتقنيون الذين عرضوا أعمالهم على خشبة المسرح خلال الأشهر العشرة الماضية، على أن تكون "جوائز المونو" مبادرة سنوية، خصوصًا أن المسرح كان لفترة طويلة أقل حضورًا في حفلات الجوائز، مع أنه من أقدم الفنون وأغناها في لبنان، كما تقول مديرة "مسرح المونو" جوزيان بولس في حديثها مع "نداء الوطن". وتتابع: "لكن الهدف من احتفالية "جوائز المونو" ليس القول إن المسرح مغبون، بقدر ما هو إعطاؤه المساحة التي يستحقها، والاحتفاء بمئات الفنانين والتقنيين والكتاب والمخرجين الذين يعملون بصمت، والقول لهم: نحنا شايفين تعبكم، وشغلكم بيستحق التقدير".
ولتحقيق هذا الهدف، اختارت إدارة المسرح للدورة الأولى من "جوائز المونو" لجنة تحكيمية مستقلة، يترأسها الأستاذ الجامعي والمسرحي الدكتور وليد دكروب، وتضم كلا من: الإعلامية والممثلة سوسن عواد، والناقد والباحث المسرحي الدكتور ربيع الشامي، والصحافية روزيت فاضل، والباريتون والباحث الموسيقي فادي جنبرت، والمخرج التقني سرمد لويس، والمخرجة ميرانا النعيمي، والناشطة الاجتماعية والفنية ميسا حنوني يعفوري، التي اختارتها بولس لتمثيل الجمهور، لأن يعفوري من المواظبات على مشاهدة مسرحيات "المونو".
الفن و "المسطرة"
ويلفت دكروب في حديث مع "نداء الوطن"، إلى أن التنوّع في اختصاصات أعضاء اللجنة، بين الأكاديمي والصحافي والناقد والتقني والموسيقي وممثل الجمهور، يجعل معايير تقييم الأعمال المرشحة للجوائز شاملة لمختلف الجوانب المتعلقة بالعمل المسرحي، رغم أن الفن لا يقاس "بالمسطرة"، ولا يقيم وفق معايير ثابتة.
لكن هل يعني ذلك أن الأعمال الفنية لا يمكن تقييمها وفق قواعد علمية وموضوعية ثابتة؟ يجيب دكروب بأنه "لا موضوعية كاملة في الحياة، في أي مجال كان، فالذاتية حاضرة دائمًا لأننا بشر. إنما يمكننا التخفيف من أثرها، لأننا في اللجنة ثمانية أعضاء من اختصاصات مختلفة، نجتمع ونناقش ونقيم ما شاهدناه من أعمال، وبناء عليه نبقي من بينها تلك التي تتوافر فيها المعايير الفنية ضمن فئات الجوائز. أما في الاجتماع الأخير الذي عقدناه، فجرى تصويت سري على كلّ المرشحين المتبقين في كل فئة، وبناء على مجموع الأصوات التي نالها كل مرشح، جرى تحديد الفائز أو الفائزة في كل فئة".
أما بولس فتقول من جانبها: "حرصت على أن تكون لجنة التحكيم مؤلفة من ذوي خبرة حقيقية في المسرح، ولكل عضو فيها نظرة وخلفية مختلفتان، حتى يكون التقييم متوازنًا وموضوعيًّا قدر الإمكان". وتلفت إلى أن الأهم بقاء هوية أعضاء اللجنة سرية طوال الموسم، "ولا نعلن عنها إلا بعد الانتهاء من تقييم كل المسرحيات واستكمال مسار عملية التحكيم، وذلك بهدف حماية استقلالية اللجنة وتجنب أي تأثير أو ضغط قد يتعرض له أعضاؤها". وتؤكد بولس، في هذا الإطار، أن لجنة التحكيم غير ثابتة، وستتغير من موسم إلى آخر، للحفاظ على التنوع والتجديد وضمان الاستقلالية والشفافية في كل دورة من "جوائز المونو".
ولأن "الأنا" غالبا ما تكون "عالية" لدى أهل الفن، خصوصا عند التنافس وفي أمسيات توزيع الجوائز والتكريمات، نسأل الدكتور وليد دكروب إن كان الفائزون قد أُبلغوا بالفوز مسبقًا، فيجيب: "إعلان الفائزين سيكون خلال السهرة، ونسعى قدر الإمكان إلى منع أي تسريب مسبق للأسماء". ويتابع مازحًا: "حتى الممثلات اللواتي حاولن معرفة النتائج لشراء فساتين جديدة للمناسبة، أجبتهنّ أن هذه الأمسية تستحق الحضور بفستان جديد، حتى لو لم يكنّ بين الفائزات!".
بين الشعبية والأكاديمية
نلفت دكروب إلى أنّ بعض الأعمال المسرحية، رغم استيفائها المعايير الفنية كاملة، قد لا تحظى بإقبال الجمهور، والعكس صحيح، فهل راعت لجنة التحكيم هذا الجانب خلال تقييم الأعمال المرشحة للجوائز؟ يقول: "لا ينبغي للنجاح الشعبي أن يكون بعيدًا عن النجاح الأكاديمي، والعكس صحيح. والجمهور اليوم بات أكثر وعيًا بالجوانب الفنية، لأن وسائل التواصل قرّبت المسرح من الناس من خلال المقاطع المصوّرة التي تُنشر عبرها. ونحن، كأكاديميّين، نحرص على أن ننقل إلى طلابنا مفهوم أنّ الهدف من الفن الذي نقدّمه هو أن يصل إلى الجمهور، مع الأخذ في الاعتبار ألا ينزل الفنان بمستوى ما يقدّمه إلى مستوى بعض أفراد الجمهور، بل أن يرتقي بذائقة الجمهور من خلال الأعمال التي يقدّمها".
وهنا يضرب وليد دكروب مثلا بالفنان الراحل زياد الرحباني، الذي كان شعبيًّا في أعماله إلى أقصى الحدود، وأكاديميًّا إلى أقصى الحدود أيضًا، الأمر الذي يجعل أعماله موضع دراسة وتحليل، وهو ما بدأ بعضهم القيام به، إنما، للأسف، بعد رحيل الرحباني.
تأهل للمنافسة على "جوائز المونو" 32 عرضًا مسرحيًّا قُدِّمت على خشبة "مسرح المونو" بين أيلول 2025 وتموز 2026، وقد خضعت جميعها لتقييم لجنة التحكيم التي ستمنح جوائزها في 15 فئة، خلال حفل سيقدّمه مساء 10 آب الجاري الممثلان زينة دكاش وطلال الجردي. والفئات هي: أفضل عرض مسرحي - أفضل إخراج - أفضل نص أصلي - أفضل إعداد مسرحي - أفضل ممثلة في دور رئيسي - أفضل ممثل في دور رئيسي - أفضل ممثلة في دور ثانوي - أفضل ممثل في دور ثانوي - أفضل سينوغرافيا - أفضل تصميم أزياء - أفضل تصميم إضاءة - أفضل تصميم صوت أو موسيقى أصلية - جائزة لجنة التحكيم الخاصة للشباب - جائزة المونو الفخرية لمسيرة استثنائية - وأفضل مسرحية.
وعن سبب حصر الاحتفالية في المسرحيات التي عرضت على خشبة "المونو"، تقول مديرته جوزيان بولس إن السبب يعود إلى كونها الدورة الأولى من "جوائز المونو"، وينبغي أن تكون البداية مدروسة ومنظمة وقابلة للتنفيذ، مضيفة: "خلال الموسم الماضي، استضاف "مسرح المونو" 40 إنتاجًا متنوّعًا من منتجين ومخرجين وفنانين مختلفين، ما منح لجنة التحكيم فرصة لمشاهدة كل الأعمال ضمن ظروف متشابهة. لكن طموحنا مستقبلا أن تكبر هذه المبادرة وتشمل كل الإنتاج المسرحي اللبناني".
أما المجسّم الذي سيتسلمه الفائزون، فصممته الفنانة كاتيا طرابلسي، وتظهر فيه وجوه متعددة وشخصيات مختلفة وحكايات متشابكة، تماما كما هي حال المسرح، حيث يتعاون الكاتب والمخرج والممثل والمصمم والفني والموسيقي لتولد المسرحية. بينما تذكّر الفراغات التي يتضمنها المجسم، بأن المسرح يترك دائمًا مساحة للخيال، فيما ترمز الأزهار المتفتحة عند قاعدته إلى الإبداع الذي يواصل النمو حتى في أصعب الظروف. وفي قلب المجسّم عين تراقب، وتذكّر برسالة المسرح الأسمى: مساعدتنا على رؤية أنفسنا والعالم من حولنا بعيون مختلفة. وقد أعد الفنان أنطوني توما المقطوعة الموسيقية الخاصة بدخول الفائزين، ووضعها خصيصًا لهذه الأمسية.
يبقى أن إدارة "المونو" تسعى إلى أن تكون "جوائز المونو" موعدًا سنويًّا ثابتًا، احتفاء بإنجازات المسرح اللبناني وأهله، وتكريمًا للمبدعين والمتميّزين فيه، وتشجيعًا لجيل جديد من صنّاعه والعاملين فيه.
