الخطر الحقيقي في ما يجري داخل إيران لا يكمن في سقوط النظام أو بقائه، بل في الطريقة التي قد يحاول بها النجاة. فالأنظمة المحاصَرة لا تفاوض، بل توسّع ساحة المعركة، وتستدعي أدواتها الخارجية للدفاع عن مركز يتصدّع. ومن هنا، لا يمكن النظر إلى الاحتجاجات الواسعة والتصدعات الاجتماعية والانكشاف الاقتصادي العميق في إيران بوصفها شأنًا داخليًا معزولًا، بل كمؤشر على مرحلة اختبار وجودي لمنظومة النفوذ التي بناها النظام خارج حدوده. ومع تصاعد لهجة التهديد الأميركية وعودة منطق فرض تغيير السلوك بالقوة، تتحول هذه اللحظة إلى لحظة ضغط قصوى، لا على طهران وحدها، بل على كل أذرعها الإقليمية، وفي مقدّمها حزب الله.
في مثل هذه اللحظات، لا تسقط الأنظمة وحدها. تسقط معها الشبكات التي بُنيت لحمايتها، والأذرع التي أنشئت لتوسيع نفوذها خارج الحدود. وحزب الله، بوصفه النموذج الأكمل للدولة الوظيفية المرتبطة بمركز خارجي، يجد نفسه اليوم أمام أكثر لحظة حرج في تاريخه.
حزب الله لم يُنشأ ليكون حزبًا لبنانيًا بالمعنى السياسي. لقد صُمم كأداة إقليمية، ذراع متقدمة للنظام الإيراني في ساحته الأكثر هشاشة: لبنان. وجوده، تمويله، تسليحه، وعقيدته القتالية، كلها مرتبطة بوظيفة واحدة: التدخل عند لحظة الخطر الوجودي على النظام في طهران. ومن هنا، يصبح عدم تدخله عند الحاجة القصوى بمثابة إعلان إفلاس استراتيجي، ونفي عملي لكل السردية التي بُنيت حول “محور المقاومة”.
لكن التدخل، في المقابل، ليس خيارًا عسكريًا تقنيًا، بل مقامرة كبرى. فتح جبهة شاملة مع إسرائيل في هذا التوقيت لن يكون عملًا تكتيكيًا لإرباك الخصوم، بل خطوة انتحارية في سياق دولي مختلف جذريًا عن كل ما سبق. إسرائيل اليوم ليست في وضع رد الفعل، والولايات المتحدة لم تعد تتعامل مع حزب الله كتهديد موضعي، بل كجزء عضوي من المشكلة الإيرانية الأشمل. أي تصعيد واسع سيُقرأ دوليًا كإعلان حرب بالوكالة دفاعًا عن نظام محاصر، لا كمعركة “تحرير” أو “ردع”.
هنا تكمن المأساة اللبنانية. حزب الله محاصر بين خيارين أحلاهما كارثي: إن لم يتدخل، يكون قد فقد آخر أسباب وجوده، بعد أن سقطت عنه شرعية “الدور اللبناني المقاوم” التي حمت سلاحه لسنوات. وإن تَدَخَل، يجرّ لبنان إلى مواجهة مدمرة لا يملك مقومات الصمود فيها، ولا أي قدرة على التحكم بمسارها أو نتائجها. في الحالتين، يدفع لبنان الثمن، فيما القرار ليس لبنانيًا، ولا الحسابات لبنانية، ولا الخسائر ستُحسب من جيوب من اتخذوا القرار.
الأخطر أن هذه المقامرة لا تأتي في لحظة قوة. لبنان اليوم دولة منهكة، مفككة، بلا اقتصاد، بلا مؤسسات فاعلة، وبلا شبكة أمان اجتماعية. أي حرب شاملة لن تكون “جولة” كما في السابق، بل ضربة قاضية لما تبقى من الدولة والمجتمع. وهنا تحديدًا يظهر الوجه الحقيقي لحزب الله: تنظيم مستعد للمقامرة ببلد كامل حفاظًا على وظيفة إقليمية، لا مشروعًا وطنيًا يسأل عن مصير شعبه.
ما يحدث في إيران يضع حزب الله أمام مرآة لا يمكن كسرها. فإما أن يعترف بأن دوره انتهى مع اهتزاز النظام الذي أنشأه ويذهب إلى تسليم سلاحه على كامل الأراضي اللبنانية، وإما أن يختار الهروب إلى الأمام عبر حرب يعلم مسبقًا أنها ستنتهي بتدميره، ولكن بعد أن يدمّر لبنان معه. إنها لحظة الحقيقة التي تتقاطع فيها الجغرافيا مع العقيدة، والسياسة مع المصير.
لبنان يحتاج إلى موقف وطني صلب يقول بوضوح إن البلد ليس ساحة إنقاذ لنظام خارجي، ولا ورقة تفاوض في صراع دولي. المعركة الحقيقية اليوم ليست على الحدود الجنوبية فقط، بل على حق اللبنانيين في ألا يكونوا وقودًا في حرب لم يختاروها، ولا شركاء في مقامرة لم يقرروا خوضها.
فإما أن يُعاد تعريف لبنان كدولة، أو يُترك لينهار كأثر جانبي في معركة الآخرين. وبين هذين الخيارين، يقف حزب الله عاريًا من كل شعاراته، أمام امتحان سيحدد ليس فقط مصيره، بل مصير وطن بأكمله.