تؤكد الانتفاضة الشعبية الإيرانية الآخذة في التصاعد، والضغوط الخارجية المتزايدة التي تطوّق النظام الإيراني من كل حدب وصوب، أن إيران تقف اليوم عند مرحلة مفصلية، بحيث بات نظام الملالي أمام معادلة شديدة الحساسية بين البقاء والاحتفاظ بما تبقى من مكامن القوة والسيطرة، وبين الرهانات الخارجية على المخاض الجاري وفرص إنتاجه حالة جديدة في إيران.
وبينما تتقاطع حسابات الداخل مع ضغوط الخارج، يتوسع التسونامي الشعبي من دون أن تخفت قوته في طهران وكل المناطق الإيرانية الأخرى، على وقع تهديدات ساكن البيت الأبيض، العازم على معاقبة من يقتل شعبه. فالذي بات مؤكدًا أن الضربة الأميركية لإيران هي الأكثر ترجيحًا على ما عداها من خيارات الضغط والمواجهة بين واشنطن وطهران. وفي انتظار قرار الحسم، الرهانات على سقوط النظام الإيراني اليوم تكبر، بحيث بات السؤال الأهم ليس إن كانت الضربة الأميركية ستقع، بل ماذا ستُنتج، فهل باتت إعادة تشكيل المشهد السياسي في إيران أقرب من أي وقت مضى؟
الرهانات على سقوط النظام في إيران ليست وليدة اليوم، والاحتجاجات الشعبية الواسعة النطاق ليست الأولى، إذ شهدت إيران محطات متكرّرة من التظاهرات، من "الحركة الخضراء" عام 2009، إلى تحركات احتجاجية في أعوام 2019 و2020 و2022. كلّها لم تؤدِّ حينها إلى زعزعزة قبضة النظام الإيراني، بل منحت حينها السلطات ذريعة لتبرير قمعها الأمني. لكن اليوم المتغيرات الكبيرة في صلب النظام الإيراني وفي العالم، وضعت إيران في نقطة اللاعودة، بحيث اندلعت هذه الاحتجاجات بعد تصدّع صورة إيران بفعل تفكّك "محور الممانعة"، وبات من الصعب عودتها إلى ما كانت عليه قبل هجوم 7 أكتوبر، و"طوفان نتنياهو" في الشرق الأوسط الجديد.
مرحلة ما بعد الاحتجاجات في إيران لن تكون كما قبلها، يؤكد الأستاذ المحاضر في جامعة إلينوي في الولايات المتحدة والمتخصّص في تاريخ الشرق الأوسط د. مارك أبو عبدالله لـ "نداء الوطن"، ويلفت إلى أننا ذاهبون في اتجاه تغيير جذري في سياسة النظام الإيراني، وبالتالي إلى سقوط النظام. والعناصر التي ترجح سقوطه عديدة على الصعيدين الإقليمي والدولي. فإقليميًا، يشير أبو عبدالله إلى أن إيران خسرت أذرعها، من الحوثيين، إلى "حماس"، فـ "حزب الله"، وأهمّ حليف لها نظام الأسد.
أما على الصعيد الدولي، فعادت الولايات المتحدة للتحول إلى القطب الوحيد في العالم، الأمر الذي يمكن لمسه، وفق أبو عبدالله، من خلال سياسة ترامب القائمة على إعادة تنظيم العالم وأزماته، من سوريا، إلى أوكرانيا ففنزويلا وغيرها، فالمشهد الإقليمي والدولي ليس لمصلحة النظام في إيران الذي خسر كل أدواته وأوراقه. وبالتالي، يؤكد أبو عبدالله أن الضربة الأميركية بغض النظر عن شكلها حاصلة لا محالة، فما كان يعيق توجيه ضربة لإيران في السابق بات اليوم بحكم المنتهي.
لكن سقوط النظام قد لا يكون آنيًا وسريعًا، بحسب أبو عبدالله، فرغم أن نظام الملالي منتهٍ إقليميًا ودوليًا، قد يذهب بسياسة المناورة داخليًا، هو الذي بنى نفسه وأمجاده على قوة عقائدية وأمنية ضخمة يتشابك فيها الأمن بالسياسة والاقتصاد، بينما تحتاج المعارضة الإيرانية التي تغزو الشوارع رغم التعتيم والقمع والقتل، إلى توحيد صفوفها وفق خريطة طريق واضحة الأسس والمعالم، لمجابهة نظام موحّد حول عقيدة راسخة. وبالتالي، قد لا تؤدي الاحتجاجات كما الضربة المرتقبة إلى تغيير سريع وفوري في النظام، لكنها ستقود حتمًا إلى سقوطه عاجلًا أم آجلًا، والرهان، بحسب أبو عبدالله، يبقى على النَفَس الطويل للشعب الإيراني المنتفض وعلى تفتت هيكل النظام ودعائمه، لتبقى العين على الانشقاقات المعوّل عليها من داخل هذا النظام المريض.
صحيح أن انقلاب عام 1953 الذي قادته سرًا الاستخبارات الأميركية والبريطانية وأعادت بموجبه الشاه محمد رضا بهلوي إلى الحكم، شكّل أحد الجذور الأساسية للثورة الإسلامية عام 1979، لكن الصحيح أيضًا أن ثورة الخميني التي تركت بصمتها في أربع عواصم عربية، باتت رجل العصر المريض. بالغ النظام الإيراني الواهم في تقدير قوته وقدراته، فجاءه ترامب و "طوفان نتنياهو" والموازين التي انقلبت لتقرع له جرس الإنذار الأخير، فماذا سيكون الثمن؟