بعدما حبست المنطقة أنفاسها ترقبًا لضربة أميركية ضد النظام الإيراني الذي قتل آلاف الإيرانيين الشجعان الذين انتفضوا على حكمه الظلامي، متجاوزًا تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المتكرّرة، بعدم اتباع نهج بربري بحق المنتفضين وإلا فإن أميركا ستتدخل، يبدو أن أي هجوم أميركي على إيران يخضع لإعادة تقييم وتحضير لضمان أن تكون نتائج مثل هكذا خطوة متطابقة مع الأهداف المرسومة لها، إن قرّر ترامب لاحقًا شن هجوم على الجمهورية الإسلامية. ولم يستبعد ترامب أي خيارات للرد على القمع الوحشي في إيران، وفق البيت الأبيض الذي حذر من "عواقب وخيمة" إذا تحوّل القمع إلى قتل جماعي. وجزم بأن ترامب وحده يعرف ما سيفعله مع إيران وهناك فريق صغير جدًا من المستشارين مطلع على تفكيره في هذا الشأن، لافتًا إلى أن ترامب تلقى رسالة من النظام تفيد بأن "القتل والإعدامات" ستتوقف.
وأوضح البيت الأبيض أن 800 عملية إعدام كانت مقرّرة وكان من المفترض أن تُنفذ، لكنها أوقفت، فيما أكد ترامب خلال مقابلة مع شبكة "أن بي سي" أنه "أنقذنا الكثير من الأرواح أمس (الأربعاء)"، في إشارة إلى قوله إن النظام الإيراني توقف عن قتل المتظاهرين وأوقف بعض أحكام الإعدام المخطط لها، علمًا أن السلطة القضائية الإيرانية ذكرت أن المحتج الإيراني المعتقل عرفان سلطاني، الذي أثارت قضيّته تعاطفًا عالميًا، لم يصدر بحقه حكم الإعدام. ولم يوضح ترامب ما إذا كان قد قرّر اتخاذ أي إجراء ضد إيران، مكتفيًا بالرد بأنه "لن أخبركم بذلك".
وخلال اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي حول إيران، اعتبر السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز أن "مستوى العنف والقمع في إيران له تداعيات على السلام والأمن الدوليين". وحمّل النظام الإيراني مسؤولية قتل المتظاهرين، متعهدًا بأن "ترامب والمجتمع الدولي لن يتسامحا مع قتل المتظاهرين". وأكد أن ترامب أوضح أن كل الخيارات على الطاولة لوقف المجزرة في إيران، موضحًا أن "تقديراتنا تشير إلى مقتل الآلاف في إيران"، بينما رأى أن النظام الإيراني بات أضعف من أي وقت مضى.
بدورها، وجّهت الناشطة الإيرانية المعارضة المقيمة في أميركا مسيح علي نجاد، التي تلقت دعوة أميركية لإلقاء كلمة في مجلس الأمن، رسالة واضحة قائلة: "البيانات الفارغة والإدانات غير الفعّالة لا تنقذ أرواح البشر"، معتبرة أنه "إذا كنتم حقًا قلقين على أرواح الشعب الإيراني، فساعدونا على إنهاء هذا النظام". وفي لحظة صادمة، وجّهت حديثها مباشرة إلى ممثل الجمهورية الإسلامية، قائلة: "لقد حاولتم قتلي ثلاث مرات، رأيت بعينيّ الشخص الذي كان سيغتالني أمام حديقتي، في منزلي في بروكلين".
توازيًا، جرى خفض مستوى التأهب الأمني في قاعدة العديد الجوية الأميركية في قطر بعد إعلانه الأربعاء، حسب وكالة "رويترز"، التي ذكرت أن الطائرات الأميركية التي جرى سحبها من القاعدة تعود إليها تدريجيًا. وأعادت إيران فتح مجالها الجوي صباح أمس بعد إغلاق قصير خلال ليل الأربعاء - الخميس. وشوهدت طائرات ركاب تجارية، بما في ذلك القادمة من تركيا والإمارات، وهي تعبر الأجواء الإيرانية أمس، حسب موقع تتبع الرحلات "فلايت رادار 24".
وكشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن ترامب نُصح بأن شن ضربة واسعة النطاق ضد إيران من غير المرجح أن يؤدي إلى سقوط النظام، وقد يفاقم الصراع ليشمل نطاقًا أوسع، موضحة أن ترامب سيكتفي في الوقت الراهن بمراقبة كيفية تعامل طهران مع المحتجين قبل اتخاذ قرار في شأن نطاق أي هجوم محتمل. وأشارت إلى أن المستشارين أوضحوا للرئيس الحاجة إلى قوة عسكرية أكبر في الشرق الأوسط، مؤكدة أن ترامب، من دون اتخاذ قرار نهائي في شأن الإجراء الذي سيتبعه، طلب أن تكون الأصول العسكرية جاهزة في حال قرر شن هجوم كبير. ومن المتوقع أن يأمر ترامب بإرسال حاملة الطائرات "يو أس أس أبراهام لينكولن" من بحر الصين الجنوبي إلى الشرق الأوسط، وهي رحلة تستغرق حوالى أسبوع بمجرد انطلاقها.
وأفادت تقارير إعلامية غربية بأن السعودية وقطر وسلطنة عُمان ومصر حضت إدارة ترامب على عدم ضرب إيران. ونقلت "رويترز" عن مسؤول خليجي قوله إن الدول الأربع أبلغت واشنطن بأن أي هجوم ستكون له عواقب على المنطقة من الناحيتين الأمنية والاقتصادية وستؤثر في نهاية المطاف على أميركا نفسها، لافتًا إلى أنها أبلغت إيران بأن أي رد هجومي تشنه على المنشآت الأميركية في الخليج ستكون له عواقب على علاقات طهران مع دول المنطقة. وأجرى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان اتصالًا هاتفيًا بنظيره الإيراني عباس عراقجي، جرى خلاله بحث تطورات الأوضاع في المنطقة، وسبل دعم أمنها واستقرارها. ورفض وزير الخارجية التركي هاكان فيدان "أي تدخل عسكري في إيران"، معتبرًا أن "إيران بحاجة إلى حل مشكلاتها الداخلية الحقيقية بنفسها"، في وقت أكد فيه وزير الخارجية الصيني وانغ يي خلال اتصال هاتفي مع عراقجي أن بلاده تؤدي "دورًا بناءً" في تهدئة التوترات المحيطة بإيران، محذرًا من العودة إلى ما وصفه بـ "قانون الغاب" العالمي.
كذلك، ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحدّث إلى ترامب الأربعاء وطلب منه تأجيل أي خطط لشن هجوم عسكري على إيران، في حين أوضح موقع "أكسيوس" أن نتنياهو طلب من ترامب الانتظار لمنح إسرائيل مزيدًا من الوقت للاستعداد لاحتمال رد إيراني. فضلًا عن ذلك، كشف الموقع أن الخطة الأميركية الحالية تشمل ضرب أهداف للقوات الأمنية في إيران، لكن هذه الخطوة لا تُعتبر، بالنسبة إلى إسرائيل، قوية أو فعّالة بما يكفي لإحداث اضطراب ملموس في استقرار النظام. وكان معبّرًا إعلان السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، الذي يجاهر بضرورة التخلّص من نظام الملالي، أنه سيسافر إلى إسرائيل للقاء نتنياهو وفريقه في هذا الوقت الحاسم من تاريخ الشرق الأوسط، موضحًا أن الهدف هو البناء على الفرص التاريخية، والتصدّي للشر، ودعم الناس الذين يضحّون من أجل الحرية.
في هذا الوقت زادت واشنطن من ضغوطها على طهران، إذ فرضت الخزانة الأميركية عقوبات ضد "مهندسي الحملة القمعية الوحشية التي يشنها النظام الإيراني ضد المتظاهرين السلميين"، من بينهم أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني وقادة في "الحرس الثوري" وقوات في وكالات لإنفاذ القانون. كما صنفت 18 فردًا وكيانًا يؤدون أدوارًا حاسمة في تبييض عائدات مبيعات النفط والبتروكيماويات الإيرانية إلى الأسواق الخارجية في إطار شبكات مصارف الظل السرية التابعة للمؤسسات المالية الإيرانية الخاضعة للعقوبات، وهي "بنك ملي" و"بنك شهر". واعتبرت الخزانة أنه "بدلًا من استخدام هذه العائدات لمصلحة الشعب الإيراني، الذي يواجه كارثة اقتصادية في ظل تضخم خانق وعجوزات هائلة ناجمة عن سوء إدارة النظام للاقتصاد، تُستَخدم هذه الأموال لتمويل قمع النظام للشعب الإيراني ودعمه للجماعات الإرهابية في الخارج".
وحسم وزير الخزانة سكوت بيسنت أن بلاده "تقف بثبات إلى جانب الشعب الإيراني في مطالبته بالحرية والعدالة... وستستخدم الخزانة كل أداة متاحة لاستهداف المسؤولين عن القمع الاستبدادي الذي يمارسه النظام بحق حقوق الإنسان"، بينما أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عقب اجتماع لمفوضي الاتحاد الأوروبي في قبرص، أن العقوبات الحالية المفروضة على إيران "تضعف النظام"، مشيرة إلى أن التكتل يتطلّع إلى فرض عقوبات على "الأفراد الإيرانيين المسؤولين عن الفظائع". وحسمت أن الشعب الإيراني الذي "يناضل بشجاعة من أجل التغيير" يحظى بـ "الدعم السياسي الكامل" من التكتل.
حتم القمع الوحشي الذي نفذته آلة القتل التابعة للنظام وأسفر عن مقتل الآلاف، على المتظاهرين "الانسحاب التكتيكي" من الشارع. فقد تسبّب النظام بـ "حمام دم" لردع المطالبين بإسقاطه وإجهاض ثورتهم. قد تكون طهران نجحت في فرض هدوء قسري موَقت، إلّا أن الغضب الشعبي المتنامي وانسداد الأفق أمام حكام إيران، سيفجّران "جولة ثورية" جديدة قريبًا، بحكم تصميم الإيرانيين على التغيير، ولو مهما كان الثمن، وعدم قدرة النظام على معالجة أبسط المشكلات الاقتصادية والمالية العاصفة بالبلاد. وكان لافتًا ما كشفته شبكة "سي أن أن" أن مسلّحين من ميليشيات عراقية عبروا إلى إيران لمساعدة طهران على قمع الاحتجاجات. وأوضح مصدر أمني عراقي أن نحو 5000 مقاتل من ميليشيات عراقية نافذة دخلوا إيران.