الإعلامية نورما يونس التي غابت أمس الأول أثناء نومها في ولاية تكساس الأميركيّة عن 61 عامًا، لم تكن خبرًا عابرًا في شريط الحياة، ولا اسمًا لامعًا فقط في مهنة أنهكها الضجيج. كانت امرأة حقيقيّة، حرّة وشجاعة، تنبض صدقًا من لحم القلب وتعب الروح.
لم تعش كثيرًا، لكنها عاشت الكثير. واجهت الأزمات ولم تخف، عرفت الخسارات واحدةً واحدة، ولم تنكسر. أخلصت لمهنتها كما عشقت أولادها. ربّت جو وناتاشا وإليز بمفردها، وأغدقت عليهم حبّها كلّه، ومنحتهم سنواتها كلّها.
اختارت الضحك،لا ضحك السذاجة، بل ضحك من يعرف الوجع جيّدًا ويقرّر ألا يمنحه الكلمة الأخيرة.
كانت تُتقن إخفاء آثار التعب خلف نبرة صوت واثقة، وحضور قوي، وأناقة عذبة، وابتسامة تقول: "ما زلت هنا".
في مرّةٍ قيل لها على سبيل المزاح: "توقّفي عن الضحك، قد يصدّق الله أنك سعيدة». ضحكت يومها، واحتفظت بالجملة. على مدى أكثر من عشرين عامًا كانت ترويها لأصدقائها، لأنها كانت تعرف أنّ الضحك ليس إنكارًا للحزن، بل مقاوَمة له. نورما كانت تعرف كيف تضحك في قلب العاصفة، وكيف تُبقي شعلة الحياة مشتعلة، حتى حين تبهت الأشياء من حولها.
رحلت بهدوء، من دون ضجيج أو وداع طويل، كأنها لم تشأ أن تُتعب أحدًا بحزنها الأخير. تركت خلفها أولادًا يشبهونها قوةً وحنانًا، وأصدقاء يحملون أسئلة مؤجّلة ولقاءات لم تكتمل، وذاكرة مهنيّة وإنسانيّة نظيفة في زمن ندر فيه النقاء.
نورما يونس لم تكن مجرّد إعلاميّة مرّت في محطّات، بل كانت تحفر أثرها أينما حلّت. من "إذاعة صوت لبنان"، حيث تعلّمت معنى الخبر ومسؤوليّته وتولّت فترات إخباريّة دقيقة، إلى الكويت التي أضافت إلى صوتها خبرة أخرى واتّساعًا في الأفق، ثم بعد عودتها إلى بيروت عملت في جريدة "نداء الوطن" ومن ثمّ أطلّت محرّرة ومذيعة في أخبار "MTV" ، حيث تكرّس حضورها المهني بنبرة رزينة وعميقة.
لاحقًا، وبعد أن أقفل نظام الأسد البائد القناة، حملت صوتها وتجربتها إلى واشنطن، فالتحقت بقناة "الحرّة"، حيث عملت سنوات طويلة وبنت صداقات عميقة ونقاشات لا تُحصى، وأكملت رحلتها الإعلاميّة في الولايات المتحدة الأميركيّة، من دون أن تنفصل يومًا عن قلقها المهني.
نورما يونس… امرأة لم تنتصر دائمًا، لكنها لم تُهزم. عاشت كما أرادت صادقة، حازمة، حنونة متعبة، ضاحكة. وربما الآن، فقط الآن، يصدّق الله أنها سعيدة.