خطاب الهزيمة أم سياسة التخوين؟... قراءة في تصعيد نواب "الحزب" ضد خصوم الداخل

5 دقائق للقراءة

تشهد الساحة السياسية اللبنانية في الآونة الأخيرة تصعيدًا لافتًا في خطاب عدد من نواب حزب الله ومسؤوليه، اتّسم بحدّة غير مسبوقة، وبسلسلة تصريحات تفتقر إلى المنطق السياسي المتماسك، وتقوم في معظمها على التخوين واتهام الخصوم بالعمالة والارتباط بالمشروع الإسرائيلي، والتهديد بالحرب الأهلية. هذا الخطاب، كما ظهر في أكثر من إطلالة إعلامية ومداخلة، لا يمكن فصله عن شعور عميق بالارتباك السياسي والهزيمة المعنوية، في ظل التحوّلات التي أصابت المحور الذي انخرط فيه الحزب طوال عقود، على حساب مصلحة لبنان وشعبه.

فبدل تقديم مراجعة سياسية صريحة للخيارات التي زُجّ بها لبنان في السنوات الأخيرة، يندفع نواب الحزب إلى إعادة إنتاج خطاب هجومي كلاسيكي، يقوم على شيطنة المعارضين ووصمهم بالخيانة، وكأن أي موقف سيادي أو دستوري بات، بنظرهم، خدمة مباشرة لإسرائيل. هذا المنطق، الذي تكرّر في تصريحات متلفزة وبيانات رسمية، يندرج في إطار خطاب تعبوي هدفه شدّ العصب في لحظة مأزومة.


الحرب لم تكن خيار اللبنانيين

وبحسب مصدر مواكب للسياسة اللبنانية، "يُصرّ نواب حزب الله، في أكثر من مناسبة، على اتهام خصومهم بأنهم يتمنّون الحرب أو يراهنون على العدوان الإسرائيلي. غير أن الوقائع السياسية تناقض هذا الادعاء بالكامل. فلا أحد في لبنان، من دعاة الدولة والمؤسسات، دعا إلى الحرب أو تمنى وقوعها. على العكس، فإن الحرب الأخيرة لم تكن نتيجة قرار وطني جامع، بل جاءت إثر قرار أحادي اتُّخذ في 8 تشرين الأول 2023، حين أُقحم لبنان في ما سُمّي حرب إسناد غزة، من دون أي تفويض دستوري أو إجماع وطني."

ويتابع المصدر نفسه "هذا القرار هو الذي أعاد إسرائيل إلى الداخل اللبناني، وفتح الباب أمام الدمار والتهجير وسقوط الضحايا في الجنوب والبقاع والعاصمة وسائر المناطق. والنتيجة كانت فاتورة بشريّة واقتصادية دفعها اللبنانيون وحدهم، فيما لا يزال نواب الحزب يرفضون تحمّل أي مسؤولية سياسية أو أخلاقية عمّا جرى."


مناهضة السلاح ليست دعوة إلى الخراب

يحاول نواب حزب الله، عبر خطابهم الأخير، تصوير مناهضة مشروع السلاح غير الشرعي على أنها دعوة إلى الفوضى والانهيار. يعلّق المصدر نفسه أن "هذا التوصيف ليس سوى قلبٍ للحقائق. فمواجهة مشروع السلاح الخارج عن سلطة الدولة لا تعني السعي إلى الموت والدمار، بل إلى قيام دولة فعلية، سيدة وقادرة، تشكّل الإطار الوحيد للاستقرار السياسي والنهوض الاقتصادي." ويسأل: "ما هو البديل الذي يقدّمه حزب الله؟ وهل الرهان اليوم على ايران المفككة، المنهارة، التي تسودها الاحتجاجات هو رهان صائب؟ أليس من الأفضل أن يراهن حزب الله اليوم على دولة أمامها كل الفرص لتكون دولة فعليّة؛ أي الدولة اللبنانية؟"

"إن المشروع الذي يطرحه خصوم الحزب هو مشروع الدولة والدستور والمؤسسات، لا مشروع الحروب العبثية ولا منطق ربط مصير لبنان بصراعات لا قدرة له على تحمّلها." غير أن هذا الخطاب السيادي يُواجَه، مرة تلو الأخرى، بحملات تخوين منظمة، تعكس عجزًا عن خوض نقاش سياسي جديّ حول الخيارات المصيرية.


الديمقراطية العددية في مواجهة الدستور

في موازاة ذلك، يلوّح بعض نواب الحزب بفكرة "الأكثرية العددية" في محاولة واضحة للالتفاف على الدستور اللبناني وبنيته القائمة على التعددية والتوازنات الوطنية" بحسب المصدر نفسه، ويتابع "هذا الطرح، وما رافقه من تصريحات لأحد نواب الحزب الذي اعتبر ان حزب الله له مؤيدين في كل المناطق ومن كل الطوائف؛ يتجاهل تاريخًا طويلًا من العنف السياسي الذي مارسه الحزب والتعطيل المنهجي للمؤسسات، ومصادرة القرار الوطني، فضلًا عن الحروب المتتالية التي أرهقت اللبنانيين. فاللبنانيون لم ينسوا الاغتيالات السياسية، ولا أحداث 7 أيار، ولا سنوات الشلّل الدستوري، ولا السلاح الخارج عن الشرعية، ولا الفساد المستشري الذي طال الدولة ومؤسساتها. وهم، بكل طوائفهم، باتوا أكثر وضوحًا في التعبير عن رغبتهم بالعيش في كنف دولة القانون، لا تحت منطق الغلبة أو فائض القوّة."


خطاب مكشوف في لحظة انكشاف

"إن ما يلفت في خطاب نواب حزب الله اليوم ليس فقط حدّته، بل انكشافه أمام الرأي العام اللبناني. فبدل أن يعكس ثقة سياسية أو رؤية معينة، يظهر كخطاب دفاعي مأزوم، يعجز عن تقديم إجابات حقيقية، فيلجأ إلى التخوين والتهديد والادعاءات الفضفاضة..." "وفي وقتٍ قدّم فيه بعض هؤلاء النواب أنفسهم، في مراحل سابقة، على أنهم حملة لواء مكافحة الفساد، تبدو الهوّة اليوم واسعة بين الشعارات والممارسة، وبين الخطاب المعلن وواقع السياسات المتّبعة. لذلك، فإن إعادة نظر الحزب في اللغة السياسية، والاعتراف بحجم المأزق، باتا أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى" يؤكد المصدر نفسه "لأن اللبنانيين لم يعودوا يقبلون بأن يُدار بلدهم بمنطق الترهيب والسلبطة السياسية."

"إذا كان حزب الله يناور في الداخل اللبناني حاملًا ما تبقى من سلاحه في يدّ وتعديلات دستورية يطمح لها لضرب التوازنات القائمة في النظام السياسي في يد ثانية، فعليه أن يتأكد أنه في وضعيّة لا تسمح له بذلك، فباقي المكوّنات اللبنانية لن تقبل بذلك، غير أن التوازنات الداخلية والخارجية ليست لصالحه ليملي شروطه على هذا الصعيد"، وينهي المصدر نفسه باعتباره "أن خلاص حزب الله مدخله وحيد، وهو السير بقرار الحكومة المتخذ في ٥ آب الماضي، وأن يتوقف عن عرقلة مسار العهد الحالي... خلاصه الوحيد أن يجرّد نفسه من السلاح، وينخرط في مشروع الدولة."