خرج نعيم قاسم ليقول للبنانيين إن تسليم السلاح «طويلة على رقبتكم»، وليلوّح بأن البلد كلّه سيحترق إذا مُسّت قدسية الترسانة التي يحتكرها حزبه. هذا الكلام ليس موقفاً سياسياً، بل بلاغ تهديد صريح لكل أم لبنانية، لكل أب يبحث عن مستقبل أولاده، لكل شاب يريد أن يعيش في دولة لا في معسكر.
منذ متى أصبح لبنان رهينة بندقية؟ منذ متى تحوّل الدستور إلى ورقة مهترئة أمام خطاب «المقاومة فوق الدولة»؟ أي منطق هذا الذي يقول للناس: إمّا أن تقبلوا بحكم السلاح، أو «لن يبقى حجر على حجر»؟ هذه ليست مقاومة، هذه لغة عصابة تعتبر الوطن غنيمة حرب، والشعب دروعاً بشرية لمشروع لا علاقة له بوجع اللبنانيين.
قاسم يتهم كل من يطالب بحصرية السلاح بأنه يخدم إسرائيل وأميركا. حسناً، فلنسأل بصوت عالٍ: هل الجيش اللبناني عميل؟ هل أكثر من نصف اللبنانيين عملاء لأنهم يريدون دولة طبيعية؟ هل كل أب فقد ابنه في حروب الآخرين متآمر؟ من أعطى حزباً واحداً حق توزيع شهادات الوطنية؟ من نصّبه قاضياً على ضمائر الناس؟
الحقيقة التي يهربون منها أن مطلب حصرية السلاح ليس اختراعاً غربياً، بل أبسط قواعد العيش المشترك. لا دولة على وجه الأرض تسمح لجهة أن تملك قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات. حتى في أكثر الدول فقراً هناك جيش واحد وقانون واحد. وحده لبنان يُراد له أن يبقى استثناءً مريضاً لأن سلاح الحزب هو ضمانة نفوذ إيران لا ضمانة كرامة اللبنانيين.
يقول قاسم إن «لبنان لا يبقى بلا مقاومة». جميل. لكن من قال إن المقاومة يجب أن تكون ميليشيا فوق الدولة؟ من منع أن يكون الجيش هو المقاوم الحقيقي؟ من عطّل تسليحه؟ من حوّل الجنوب إلى ساحة تجارب، ثم وقف يخطب عن الصمود فيما القرى مهدّمة وأهلها مشرّدون؟
من أوصل الجنوب إلى ما هو عليه؟ هل كانت الدولة من قرّر حرب 2006؟ وهل هي من فتح جبهة 2023؟ من فاوض على وقف النار؟ من جرّ البلد إلى مواجهة لا طاقة له عليها؟ ثم يأتي اليوم ليسأل بوقاحة: «أين السيادة؟». السيادة يا شيخ تبدأ من أن لا يقرر حزب مصير وطن.
الأبشع أن الرجل لا يكتفي برفض منطق الدولة، بل يهدّد بحرب أهلية مقنّعة: «لن يسلم أحد إذا لم تسلم المقاومة». هذه جملة يجب أن تُدرّس في كتب علم الجريمة السياسية. تهديد مباشر لملايين اللبنانيين. اعتراف بأن السلاح موجّه إلى الداخل قبل الخارج. منطق «إما نحن أو الطوفان».
ثم يتطاول على وزير الخارجية لأنّه تجرّأ على الكلام بلغة الدولة. يريدون وزيراً يردّد بيانات الحزب، لا وزيراً يمثل لبنان. يريدون حكومة خرساء، ورئاسة صامتة، وبرلماناً يصفّق. كل من يخرج عن الخط يُتّهم بالفتنة. أي وقاحة هذه؟ أي احتقار لعقول الناس؟
أما فصول إيران وفنزويلا وترامب فحدّث ولا حرج. اللبناني يقف في طوابير الدواء، والشاب يحلم بهجرة، والليرة مسحوقة، وقاسم يحدّثنا عن «قلعة الجهاد» و«مظلومية فنزويلا». كأنّ أولادنا وقود لمعارك الكوكب. كأنّ وظيفة لبنان أن يكون صندوق بريد لمرشد طهران.
يقول «نحن مع إيران شعباً وقيادةً وثورة». ممتاز، لكن ماذا عن لبنان؟ مع من أنتم في لبنان؟ مع العائلات التي خسرت بيوتها؟ مع الطلاب الذين هاجروا؟ مع التجار الذين أُفلسوا؟ أم مع مشروع لا يرى في هذا البلد سوى قاعدة أمامية؟
لقد سقط القناع. لم يعد هناك التباس. المعادلة التي يطرحها الحزب بسيطة: دولة ضعيفة = سلاح قوي. قضاء تابع = مقاومة بخير. اقتصاد منهار = بيئة خائفة. كلما جاع الناس زادت سطوة البندقية. هذه هي الحقيقة المرة.
لكن ما لا يفهمه قاسم أن لبنان تغيّر. جيل كامل لم يعد يخاف خطابات التخوين. الناس لم تعد تصدّق أن طريق القدس يمرّ بجونية وطرابلس وبيروت. لم تعد تقبل أن تُخطف حياتها باسم شعارات مستوردة. اللبناني يريد كهرباء لا صواريخ، قضاء لا محاكم حزبية، حدوداً لا خطوط تماس.
أنتم لستم قدراً. سلاحكم ليس مقدساً. مقاومتكم ليست بديلاً عن الدولة. والتهديد بالحرق لن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء. من يعتقد أنه قادر على إخضاع شعب كامل بمنطق الرعب واهم.
لبنان لم يُخلق ليكون متراساً لإيران ولا صندوق ذخيرة لأي محور. هذا بلد التعدد والعيش المشترك، لا معسكر عقائدي. ومن يرفض منطق الدولة هو المتمرّد الحقيقي، لا من يطالب بها.
اليوم المعركة لم تعد سياسية فقط، بل أخلاقية ووجودية: هل نريد وطناً أم ثكنة؟ قانوناً أم فتوى؟ جيشاً أم ميليشيا؟ مستقبل أولادنا أم مستقبل مشروع عابر للحدود؟
ليسمع نعيم قاسم جيداً: «الطويلة» ليست على رقاب اللبنانيين، بل على رقبة كل من يعتقد أن زمن فرض السلاح سيدوم. الحجر الذي تهدّدون بإسقاطه سيقع أولاً على منظومة خطفت البلد ثلاثين عاماً.
لبنان سيقوم رغما عنكم، والدولة ستعود رغم سلاحكم، والسيادة ستُنتزع انتزاعاً لا منّةً من أحد. والتاريخ لا يرحم من وقف في وجه شعبه.
هذه ليست فتنة. الفتنة هي أن يبقى السلاح خارج القانون. الفتنة هي أن يُختصر الوطن بحزب. الفتنة هي أن يُهدَّد الناس بلغة المقابر.
كفى. لقد شبع اللبنانيون خطباً وانتصارات وهمية. يريدون حياة فقط. ومن يقف ضد هذه الحياة هو العدو الحقيقي، مهما رفع من شعارات. وستسلم السلاح "شاء من شاء وابى من أبى" ولن أنزل إلى مستواك.