نورما أبو زيد

هل آن أوان الفدرالية الموسّعة؟

4 دقائق للقراءة
من خطاب الرسالة إلى خطاب التدخل السياسي

عندما وطِئت قدما قداسة البابا يوحنا بولس الثاني أرض لبنان في العام 1997، لم تكن الزيارة ثمرة طمأنينة، ولا احتفاءً بزمنٍ مستقرّ، بل استجابة روحيّة لجرحٍ مسيحيّ ينزف. يومها كان المسيحيون يختبرون أقسى وأقصى لحظات التراجع الوجوديّ، بعدما انحنى حضورهم التاريخي والعدديّ تحت ثقل الهزائم السياسية والعسكرية، وتصدّع إحساسهم بالجدوى، وتآكلت أدوارهم، مع سؤال ثقيل عن البقاء والوظيفة. 

"لبنان أكثر من وطن... إنه رسالة". عبارة حملها حينها قداسة البابا، أو حُمِلت إليه، وأودِعت الإرشاد الرسولي، في مسعى روحيّ لإعادة تخليق معنى للوجود المسيحي في لبنان، لا بوصفه دورًا سياسيًا قائدًا، بل كفكرة أخلاقية ونموذج إنساني للتعدّد. غير أن هذا "اللبنان ـ الرسالة"، الذي كُتب بلغةٍ شفافة وحبرٍ سماويّ صافٍ، سرعان ما اصطدم بواقعٍ أرضي متشقق، مثقل بالتصدّعات، تتناسل فيه الهويات من دون أن تتلاقى، وتتجاور فيه المشاريع من دون أن تتكامل. لذلك، لم تُحدث الزيارة البابوية الأولى انعطافة في المسار المسيحي المنحدر، ما جعل الزيارة الثانية، التي قام بها قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر في العام 2012، أقرب إلى الواقعية، وأقلّ وهمًا بإمكانية ترجمة الرسالة إلى مسارٍ مستدام. 

أمّا زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان، فقد اكتسبت دلالة مغايرة تمامًا، إذ يُفترض أنها الأهم، لا من حيث بعدها الروحيّ فحسب، بل لأنها تمثل للمرّة الأولى، انتقال الكرسيّ الرسوليّ من خطاب الرسالة السماويّة المجرّدة، إلى خطاب التدخل السياسي المباشر. فهنا، لم يعد لبنان فكرة أخلاقيّة تُستحضر، بل أصبح قضية سياسية تُدار، ولم يعد الوجود المسيحي قيمة رمزية، بل بات موقعًا يُعاد تعريفه في قلب الصراعات اللبنانية والتحوّلات الإقليمية والدولية. 

ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن لزيارة بابوية، مهما بلغت جرأتها السياسية، أن تعيد تعويم مسيحيي لبنان في مسارٍ يواصل انحداره؟ 

يجيب مرجع روحيّ أن "الجواب طبعًا لا، إذا بقيت الزيارة حدثًا رمزيًا معزولًا عن تحوّلٍ داخليّ عميق في البنية السياسية والعددية للمسيحيين". 

برأيه، "الرسائل مهما علت لغتها، لا تنتج مسارًا ثابتًا. والرموز مهما ثقلت دلالاتها، لا تعوّض عن مشروع. والحضور لا يُصاغ بالزيارات ولا بالصلوات، في دولة تغيّر فيها المسيحيون أنفسهم، وتغيّر فيها كلّ ما حولهم". 

يقول "إن المسيحيين الذين عاشوا كأقلّية متميّزة ومتمايزة، تفاوض التاريخ على بقائها، فُطروا على مشروع الدولة، لكنهم عاشوا على ذاكرة الخوف من الشراكة، لأن التنوّع لم يكن يومًا عقدًا اجتماعيًا رضائيًا، بل هدنة هشة بين مجموعة متناقضين لم يبلغوا يومًا الرسالة". 

بنظره، "ما يعيشه دروز وعلويو ومسيحيو وشيعة وأكراد سوريا اليوم، ليس حدثًا طارئًا في تاريخ المنطقة، بل صدًى متأخرًا لتجربة قاسية خبرها مسيحيو لبنان من قبل". بنظره، "إنه الامتحان ذاته حين تتعثر الشراكة، فيُدفع الجميع إلى الاحتماء بهوياتهم كغريزة بقاء"، ويقول: "كلّما تصدّعت خريطة سوريا أكثر، تفتق في الذاكرة المسيحية حلم قديم - جديد: حلم كيان مستقلّ يشبه المتصرّفية، كردّة فعل على انكسار فكرة الوطن الجامع. حلمٌ لا يُقال في العلن، لكنه مقيمٌ في الذاكرة".

وهل يبقى مدفونًا؟

لا يخفي المرجع الروحيّ قناعته بأن "لحظة نادرة تفتح أمام المكوّن المسيحي باب العيش في كيان يشبهه، بعدما ثبت أن الدمج لم ينتج انصهارًا، بل دولة فاشلة وصراعات لا تنتهي". ويذهب أبعد، معتبرًا أن "ما تشهده سوريا اليوم هو فرصة لمكوّنات لبنان العاجزة عن التلاحم مركزيًا، كي تعيد رسم انتشارها ضمن فدراليات موسّعة، تحافظ على خصوصيّاتها، وتُبنى على الاعتراف بالوقائع، لا على شعارات الوحدة الفارغة". أمّا الفرصة الثانية، فيراها في "وجود دونالد ترامب في البيت الأبيض، محاطًا بلبنانيين، مدعومًا من روما ببابا مسيّس، مدركًا أن زمن الاكتفاء بالصلوات وحدها انتهى".