انتقل الرئيس دونالد ترامب بعد عملية كاراكاس المذهلة إلى المسرح الإيراني. تعددت التوقعات. بعضها يقطع بانتصار الجمهورية الإسلامية على الشيطان الأكبر وبعدها يتم استئصال الشيطان الأصغر. لكن، هناك رأي مخالف. يمر نظام ولاية الفقيه بأزمة لم يشهد مثيلًا لها منذ قيامه لما يقرب من نصف قرن. حكم مركزي، لا بل شخصي، يخلو من كل رقابة ومحاسبة، صاغه مرشد الثورة آية الله الخميني وحكم به لعقد لينتقل من بعده لخليفته منذ 37 سنة. ما يقلق الحكم في طهران أن مرشد الثورة متقدم في السن يعاني من مرض خطير. ثم إنه لم ينجح في إعداد من يخلفه، وإن يشار أحيانًا إلى ابنه مجتبى الذي لا رتبة علمية له أو رفعة خلقية تميّزه.
لكن الأكثر خطورة كانت الانتفاضة الشعبية التي لا سابقة لها في حجمها وعدد ضحاياها وامتداداتها وأيضًا استمرارها. منطلقها انهيار اقتصادي ونقدي طال جميع الإيرانيين إذ هوى سعر صرف الدولار خلال أيام من 43 ألف ريال إلى ما يزيد على المليون واربعمائة ألف ريال. انهيار كان وراء إقفال البازار الذي كان نشاطه سند كل نظام وإقفاله نذير انهياره. من مظاهر تهاوي النظام ضعف مواجهة المعترضين من قبل الجهاز الأول لحماية الثورة الإيرانية، "الحرس الثوري". ما هو الحرس الثوري؟ خشي الخميني من تكرار سابقة الرئيس محمد مصدق عام 1953 بانقلاب الجيش عليه. ففور تسلمه الحكم في شباط 1979أعدم القيادات العليا للجيش وسلّم قيادته لضباط موالين له. لكن إسرافًا منه في الحيطة، نقل الجيش إلى الحدود وسلّم الأمن الداخلي إلى قوة عسكرية خاصة به، " الحرس الثوري"، مع تخصيص "الباسيج،" ميليشيا مسلحة، بمهمة قمع المدنيين دون رحمة ونشر الهلع والرعب في صفوفهم.
ما كان باستطاعة الباسيج تحقيقه بساعات، فشل في إنجازه بأسابيع، لا بل أكثر، اضطرت سلطات طهران إلى إقفال طرق التواصل مع الخارج طمسًا لما يجري ليس فقط في العاصمة بل في ما يكاد يكون جميع أرجاء ايران. ربما الأبعد دلالة أن السلطات عبّأت ميليشيات عراقية وأفغانية ولبنانية وغيرها ليقوموا بأعمال القمع. سببان وراء هذا الإجراء غير المسبوق. عدم ثقة السلطات بإسناد قمع الشعب الإيراني لإيرانيين تفاديًا لترددهم بإطلاق النار على شعبهم وأنسبائهم، وأيضًا ما يخشاه المواطنون من محاسبة إن تهاوى النظام.
لا تكتمل الصورة ما لم نلم بدور العالم الخارجي خاصة الدولتين ذات المصلحة المباشرة بأحداث إيران: الولايات المتحدة وإسرائيل.
وعدت واشنطن بدعم الشعب الإيراني وحركت أساطيلها وجهزت قاذفاتها الجوية كما قلصت عدد جنودها في القواعد القريبة من إيران. إسرائيل بدورها أخذت احتياطات عاجلة لحماية المدنيين في أحوال قصف مدنها بصواريخ بالستية كما وضعت طائرة نقل رئيس الوزراء في مكان آمن خارج أراضيها.
لكن هذه الاستعدادات لم تستمر طويلًا. الرئيس ترامب خفض حدة تهديداته إثر تصاعد التحليلات المحذرة من تدخل عسكري أميركي في الخارج معيدة ذكرى تجربة العراق ثم أفغانستان وقبلهما الانسحاب الكارثي من سيول.
بناء على ما تقدم. كيف يقيّم الخبراء الوضع في إيران وما هي الخيارات التي يمكن أن ينصحوا بتبنيها.
لم أقف على مرجع ينصح بتكرار سابقات العراق وأفغانستان باحتلال قوى أميركية لإيران واقتلاع نظام الملالي والحكم المباشر. كما إن تسليم الحكم لموالين لواشنطن لا ضمان لنجاحه قياسًا مع جميع الأحوال المماثلة في العالم الإسلامي.
ما يزيد الأمر خطورة أن إيران ليست جزيرة معزولة، بل لا نقف على دولة بمركزية إيران جغرافيًا وتوازيها بالثروات الطبيعية. خط التجارة الآسيوي - الأوروبي، برًا وبحرًا، يمر في ايران. من جهة البر طرق القوافل من آلاف السنين تمر عبر أراضيها، كما التجارة البحرية من آسيا إلى أوروبا تجاور شواطئها التي تشرف على باب المندب. ثم إن الخليج، سواء دعوناه عربيًا أم فارسيًا، مدخله ومخرجه تتحكم إيران بهما.
لكن الأدهى أن انهيار إيران سيزعزع المنطقة لعقود. تحتوي إيران على جميع شعوب جوارها ضمن حدودها. هناك الأزريون، ذوو العرق التركي ويحافظون على علاقة مع أنقرة. أما الأكراد فيقال إنهم مسلحون وهم امتداد لأكراد العراق. ثم البشتون هم امتداد لعرقهم في أفغانستان وباكستان ضمن إيران ويتصفون بالأصولية السنية، كما إن الغرب الإيراني يحتوي على أعداد كبيرة من عرب الأحواز.
إيران هي قنبلة ما لم يحسن التعامل معها، ستنفجر ويطول أذاها الآفاق خاصة منطقة الشرق الاوسط.
ما هو الخيار إذن؟
الضغط لقطع أذرع إيران في المنطقة والدفع التدريجي لها لاستبدال نظامها بآخر أكثر تجاوبًا مع قيم العصر الحديث.
بهذا تكون مصلحة شعب إيران، المجتمع الدولي، الولايات المتحدة، إسرائيل والشرق الأوسط.