ريتا عازار

يضلّ الطريق بثقة

الخيانة حبٌّ بالريموت كونترول

7 دقائق للقراءة

الخيانة الزوجية موضوع ثقيل فعلًا، ربّما لهذا السبب بالذات لا يصلح أن يُناقَش دائمًا بوجه عابس وخطاب أخلاقي متجهِّم، لأن البشر حين يُخطئون لا يفعلون ذلك وهم منكسرو الرأس، بل وهم مرفوعو الذقن، واثقون إلى حدّ مذهل، لدرجة تجعل المأساة أحيانًا أقرب إلى عرض كوميدي سيّئ الإخراج. فالخائن لا يرى نفسه شريرًا ولا يرى فعلته جريمة ولا حتى زلّة، بل مشروعًا جانبيًّا غير مسجّل في الدفاتر، تجربة إنسانية عميقة، رحلة موقتة لاكتشاف الذات، أو في أسوأ الأحوال "سوء تفاهم عاطفيًّا" حدث بالخطأ المتعمد وبِنِيّات شبه طيّبة. ومع أن الضحايا يبكون بصدق، إلا أن تفاصيل التنفيذ نفسها، مضحكة لدرجة البكاء، لأن العبث هنا ليس في الفعل فحسب، بل في القناعة الكاملة بأن كل هذا طبيعي ومعقول.

الخيانة هي أيضًا لحظة كاشفة لقدرة الإنسان المذهلة على خداع نفسه قبل أي شخص آخر، إذ يقنع ذاته أن ما يفعله استثناء صغير لا يستحق كل هذه الضجة ولا كل هذا الغضب ولا هذه الدموع، وأنه وضع موقت سينتهي فور "ترتيب الأمور". والمفارقة الساخرة أن أكثر مَن يُطالبون بالتفهُّم والتعاطف والهدوء، هم غالبًا الأقل استعدادًا لتحمُّل نتائج أفعالهم عندما تتحوّل الكوميديا فجأة إلى مواجهة حقيقية بلا مؤثرات صوتية.


وظيفة إضافية

الخيانة ليست نزوة عابرة كما يحبّ البعض تصويرها، وليست لحظة ضعف عاطفي خاطفة، بل هي وظيفة بدوام جزئي تحتاج تخطيطًا واستراتيجية ووقتًا ومهارات متعددة. فالشخص الذي يخون، غالبًا هو نفسه الذي يشتكي بلا توقف من ضغط العمل وقلّة الوقت والإرهاق المزمن، مع أنه يجد وقتًا مذهِلًا لإدارة علاقتَين، ورسالتَين، وحياتَين، ونسختَين متوازيتَين من نفسه: واحدة محترمة تعود إلى البيت قبل العشاء وتتثاءب، وأخرى رومانسيّة تتأخر بحجة الاجتماع الطارئ وتبتسم للهاتف، وكأن الخيانة ليست خيانة بل شركة ناشئة تحتاج جهدًا وتضحيات ومرونة في ساعات الدوام.

الخائن يتحدّث عن الإرهاق وكأنه ضحية جدول مزدحم فرضته عليه الحياة، متناسيًا أن نصف هذا الجدول قائم على الكذب والتبرير والتمثيل الرديء وتحديث القصص حسب المستجدات. ولو وُظِّفت كل هذه الطاقة الذهنية والعاطفية في العلاقة الأصليّة، لربما اشتكى أقلّ من الملل والتعب، وربّما لم يحتج أصلًا إلى وظيفة إضافية بلا عَقد ولا ضمانات.


عبقرية تقنية

الخائن الحديث شخص متطوِّر تقنيًّا، يؤمن إيمانًا عميقًا بأن التكنولوجيا في صفه. يغيّر أسماء جهات الاتصال بذكاء إبداعي، ويستخدم تطبيقات تختفي رسائلها، ويفعّل "وضع الطيران" بثقة المنتصر، ثم يسقط سقوطًا حرًّا بسبب إشعار واحد نسي إغلاقه، لا لأن التقنية خانته بل لأنه بالغ في الثقة بها. فالخيانة الرقميّة تشبه ترك باب غرفة النوم مفتوحًا ثم لوم الريح لأنها دخلت.

وهو لا يخشى انكشاف الأمر بِقدْر ما يثق أن الذكاء الاصطناعي والتطبيقات السريّة تعمل لصالحه، وكأن الخيانة تحديث أمني لا يمكن اختراقه مهما حدث. لكن التقنية لا تفهم الأعذار، والإشعارات لا تحترم الأسرار، وهي صادقة أحيانًا أكثر من أصحابها، لأنها لا تعرف كيف تكذب بنبرة مقنعة.


بحث فلسفي

عندما يُسأل الخائن عن السبب، لا يجيب إجابة بسيطة أبدًا، بل يتحوّل فجأة إلى فيلسوف وجودي يبحث عن ذاته الضائعة، عن روحه التي لم يفهمها أحد، عن فراغ داخلي لا يملأه الزواج ولا الاستقرار، مع أنه يملأه دائمًا في المقهى نفسه، على الطاولة نفسها، وأحيانًا مع الشخص نفسه، وفي الوقت نفسه تقريبًا، وكأن النفس البشرية كائن غامض لا يظهر إلا بعد رسالة: "وينك؟"

الخيانة هنا ليست فعلًا عاديًا، بل أطروحة طويلة عن الحرية والقيود وتعقيد العلاقات، تُلقى بحماسة فقط عندما يُمسك الخائن متلبِّسًا. والمضحك أن هذه الأسئلة الوجودية العميقة لا تظهر في لحظات الصدق والهدوء، بل في لحظات الانكشاف والارتباك، حين تصبح الفلسفة ضرورة دفاعية.


غيرة راقية

مِن أعجب ما في الخيانة تلك الغيرة الانتقائية التي يمارسها الخائن بِثقة أخلاقيّة عالية، فهو يخون بلا شعور يُذكر بالذنب، لكنه يغضب إن غيّرت زوجته (أو غيّر زوجها) صورة حسابها(ه)، ويشكّ إن تأخرت عشر دقائق، ويتساءل بقلق حقيقي عن سبب ابتسامتها للهاتف. وكأن الغيرة عنده ليست شعورًا إنسانيًا بل هي حق محفوظ لا يسقط بالتقادم مهما ارتكب. الغيرة عند الخائن ليست خوفًا من الفقد، بِقدْر ما هي خوف من المعاملة بالمثل، وهذا فرق جوهري لا يحب الاعتراف به ولا مواجهته. فهو لا يغار لأنه يحب بصدق، بل لأنه لا يحتمل فكرة أن يُستبدل بالسهولة ذاتها التي استبدل بها غيره.


ذاكرة مذهلة

على فكرة، يمتلك الخائن ذاكرة غريبة التركيب، انتقائيّة بامتياز، ينسى تاريخ الزواج، واسم المطعم المفضل لزوجته، وطلباتها المتكرّرة والبسيطة. لكنه يتذكّر بدقة أول رسالة أُرسلت "بالغلط"، وأول لقاء صدفة كان مخطَّطًا له بعناية، وأول كذبة نجحت من دون خسائر، فذاكرته لا تحفظ ما يستحق، بل ما يثير ويُغذي القصّة.

النسيان هنا ليس ضعفًا بريئًا، بل هو اختيار ذكي لِما يناسب السّردية التي يريد تصديقها عن نفسه أمام المرآة. أما التفاصيل المؤلمة، فهي محفوظة بعناية في ذاكرة الآخرين، لا في ذاكرته هو، لأنه لا يحتاجها ليستمر.


صحة نفسية

أما في مرحلة متقدِّمة من التبرير، فتتحول الخيانة إلى علاج نفسي شبه معتمد، فهي عند البعض ضرورية للصحة العامة، لتنشيط الدورة الدموية، لتجديد الطاقة، للهروب من الروتين القاتل. وكأن الالتزام مرض مزمن، والصدق ضغط نفسي، والوفاء يحتاج وصفة طبية معتمدة، في حين أن أكثر ما يرهقهم فعليًّا ليس الزواج، بل تذكُّر الأكاذيب التي قالوها بالأمس ومطابقتها مع أكاذيب اليوم.

الخيانة كعلاج نفسي، فكرة مُغرية لمن لا يريد مواجهة نفسه أو إصلاح ما يمكن إصلاحه، لأنها تقدِّم هروبًا سريعًا بلا التزام حقيقي بالتغيير، لكنها مثل المُسكِّنات تمامًا، تُخفف الشعور موقتًا، وتترك السبب الحقيقي يتفاقم بصمت حتى ينفجر.


صدق متأخر

الاعتراف بالخيانة لا يأتي دائمًا بدافع الندم النبيل، بل يأتي أحيانًا لأن القصّة أصبحت مملّة، لأن الإثارة انتهت والسرّ فقَدَ بريقه، فيقرّر الخائن أن يكون "صادقًا" أخيرًا، لا كنوع من الشجاعة الأخلاقية، بل كنوع من تغيير الجوّ. فالصدق هنا ليس فضيلة، بل ملل. آه من الاعتراف المتأخر الذي يشبه رسالة اعتذار بلا معنى، تصل بعد أن تغيّر كلّ شيء ولم تعد قادرة على إصلاح أي شيء فعليّ. وفي الغالب، يكون الهدف الحقيقي من الاعتراف تخفيف العبء عن الضمير، لا مداواة الجرح الذي تركته "السيدة خيانة".


حكمة زائفة

كم يحب الخائن العبارات الكبيرة والكلمات الرنانة، وكم يتحدث عن تعقيد العلاقات، وعن أن البشر ليسوا ملائكة، وأن الحب لا يُقاس بالتصرفات بل بالمشاعر. لكنه ينهار تمامًا أمام سؤال بسيط ومباشر: أين كنت؟، لأن الفلسفة لا تنفع عندما تكون الإجابة: "كنت أبحث عن نفسي" مكرَّرَة أكثر من اللازم.

تُستخدم الجمل الكبيرة هنا كسِتار دخان كثيف، تخفي فعلًا "زغتورًا" اسمه الخيانة خلف كلمات معقدة. فالحكمة الحقيقية لا تحتاج خطبًا طويلة ولا تنظيرًا، بل تصرفًا واحدًا واضحًا لم يحدث ولن.


عبث

الخيانة الزوجية ليست مُضحكة في جوهرها، لكن الطريقة التي يبرّرها بها البعض ساخرة حدَّ الإضحاك، لأنها تكشف ضعف الإنسان عندما يريد أن يبدو عميقًا وعظيمًا وهو يتصرّف بصغر. فالسخرية هنا ليست استهانة بالألم ولا استخفافًا بالجرح، بل فضح للعبث، ومحاولة لفهم كيف يمكن لشخص أن يخون، ثم يقف بثقة كاملة ليشرح لمن خانها (خانته) أن المشكلة ليست في ما فعل، بل في أن الآخر لا يفهمه جيِّدًا.

السخرية من الخيانة ليست تقليلًا من قسوتها، بل محاولة لفهم العبث الإنساني عندما يتزيّن بالمنطق الزائف. وفي النهاية، أكثر ما يكشف الخيانة ليس الفعل نفسه، بل السيناريو الذي كتبوه لأنفسهم وكأنهم يُخرجون فيلمًا قصيرًا بعنوان "أنا بريء".

أما القصة التي تُحاك بعناية لتبدو أقل قبحًا، فهي غالبًا أكثر كوميدية من الفعل نفسه، خصوصًا عندما يشرح الخائن للآخرين كيف أنه لم يخن… بل كان يدرس الحب بالريموت كونترول.


"هل يراسل زوجتي؟"