ليست كل أشكال السيطرة سياسيةً مباشرة، ولا كل أدوات النفوذ قائمة على القمع الصريح. ففي المجتمعات التي تعيش الحروب والانهيارات والأزمات الممتدة، تنشأ أنماط أكثر تعقيدًا من السيطرة، لا تقوم على إخضاع الناس بالقوة وحدها، بل على إدارة مشاعرهم الجماعية، وخصوصًا الخوف والقلق وفقدان اليقين.
في هذه البيئات، لا يعود الخوف حالة طارئة مرتبطة بحدث محدد، بل يتحول تدريجيًا إلى مناخ دائم يحيط بالحياة اليومية: خوف من الحرب، من الانهيار، من التهجير، من الفوضى، من “البديل الأسوأ”، ومن مستقبل يبدو دائمًا على حافة السقوط. ومع الوقت، يصبح المجتمع أكثر ميلًا للبحث عن أي جهة تمنحه شعورًا بالحماية أو الثبات، حتى لو كان هذا الشعور هشًا أو مكلفًا أو قائمًا أصلًا على استمرار القلق نفسه.
وهنا تبدأ واحدة من أكثر الظواهر السياسية تعقيدًا: تحوّل الخوف من رد فعل طبيعي إلى أداة تنظيم اجتماعي غير معلنة. فالإنسان المرهَق نفسيًا لا يبحث دائمًا عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن الطمأنينة. والمجتمع الذي يعيش سنوات طويلة تحت الضغط يفقد تدريجيًا طاقته النقدية، لأن البقاء النفسي نفسه يصبح أولوية.
ولهذا تنجح بعض الخطابات التعبوية في البيئات المنهكة ليس لأنها تقدم حلولًا حقيقية دائمًا، بل لأنها تمنح جمهورها تفسيرًا جاهزًا للعالم، وعدوًا دائمًا، وشعورًا مؤقتًا بالتماسك وسط الفوضى. وفي علم النفس السياسي، تُعرف هذه الحالة بارتباط المجتمعات المهددة بخطابات “الحماية الوجودية”، حيث يُعاد تشكيل الإدراك الجماعي حول فكرة واحدة: أن الخطر دائم، وأن النجاة مرتبطة بالالتفاف المستمر حول الجهة التي تقدم نفسها كحامية للمصير.
لكن أخطر ما قد يحدث هنا ليس فقط انتشار الخوف، بل تحوّل الخوف نفسه إلى هوية سياسية كاملة. فعندما يُربّى الناس طويلًا على فكرة أن القلق هو الحالة الطبيعية، وأن الطمأنينة نوع من الوهم أو الضعف، يصبح المجتمع تدريجيًا أقل قدرة على تخيّل حياة مستقرة أصلًا. وهنا لا يعود الخوف مجرد نتيجة للأزمة، بل يتحول إلى بنية ذهنية تُعيد إنتاج نفسها باستمرار.
فبعض الخطابات لا تكتفي بإقناع الناس بوجود الخطر، بل تحتاج نفسيًا وسياسيًا إلى بقاء هذا الخطر حاضرًا دائمًا، لأن شرعيتها العاطفية تقوم على فكرة “الحماية المستمرة”. ولهذا تصبح أي محاولة لإعادة التوازن أو طرح الأسئلة أو التفكير بمستقبل مختلف مصدر قلق لها، لا لأنها تهدد الوطن بالضرورة، بل لأنها تهدد منطق التعبئة الذي يمنحها النفوذ.
ومن هنا يمكن فهم كيف تتحول مفردات مثل: “الاستسلام”، “الخيانة”، “المؤامرة”، أو “الخطر الوجودي”، من توصيفات سياسية إلى أدوات نفسية تؤثر في السلوك الجماعي. فهذه اللغة لا تكتفي بتقديم موقف سياسي، بل تعيد تشكيل الإحساس العام بالأمان والخوف، وتربط الاستقرار النفسي ببقاء مسار معين دون مساءلة عميقة لنتائجه. لكن المشكلة أن المجتمعات لا تستطيع العيش طويلًا في حالة استنفار نفسي دائم دون أثمان داخلية قاسية. فالإرهاق الجماعي لا يؤدي فقط إلى التعب، بل ينتج أيضًا تراجع القدرة على التخطيط للمستقبل، وتصاعد الهجرة، وضعف الثقة العامة، والانكماش الاقتصادي، وتحول الناس من مواطنين فاعلين إلى أفراد منشغلين فقط بالنجاة اليومية.
والمفارقة القاسية أن المجتمعات التي تُدفع باستمرار نحو الخوف من “السقوط”، قد تجد نفسها مع الوقت تعيش شكلًا آخر من السقوط البطيء: قرى مدمّرة، عائلات مهجّرة، اقتصاد منهك، شباب يهاجرون، ومجتمع يعيش في قلق دائم على مصيره. أي أن الناس يُطلب منهم أن يخافوا دائمًا من خسارة الوطن، بينما هم يخسرون تدريجيًا شروط الحياة الطبيعية داخله. وفي مثل هذه البيئات، يصبح السؤال مشروعًا: هل وظيفة أي مشروع سياسي أن يحمي المجتمع، أم أن يطلب من المجتمع باستمرار أن يتحمل نتائج خياراته دون حق طبيعي في المراجعة والمحاسبة؟
فالدفاع الحقيقي عن الأرض لا ينفصل عن الدفاع عن الإنسان الذي يعيش عليها. ولا معنى لتحويل القرى إلى خطوط خطر دائمة، أو جعل المدنيين يعيشون تحت احتمالات التهجير والانهيار المستمر، ثم مطالبتهم بالتعامل مع ذلك بوصفه “الحالة الطبيعية للصمود”. لأن المجتمعات السليمة لا تُبنى على اعتياد الألم، ولا على تحويل الخسارة إلى قدر نفسي دائم. لكن المشكلة لا تتعلق فقط بالخطابات التعبوية نفسها، بل أيضًا بالفراغ الذي يسمح لها بالتمدد.
فعندما تعجز الدولة عن بناء مؤسسات قادرة على حماية المجتمع وتأمين الاستقرار والعدالة والقرار السيادي الواضح، تتقدم تلقائيًا البنى الموازية التي تملأ الفراغ النفسي والأمني والاجتماعي. وهنا لا يعود المواطن مرتبطًا بالدولة بوصفها المرجعية الطبيعية للحماية، بل يبدأ بالبحث عن أي قوة تمنحه شعورًا بالأمان وسط الانهيار.
وفي هذه الحالة، يصبح الخوف ليس مجرد نتيجة للأزمة، بل جزءًا من آلية إدارة الفراغ نفسه. فكلما ضعفت الدولة، ازداد اعتماد المجتمع على البنى التعبوية والطائفية والأمنية، وكلما ازداد هذا الاعتماد، تراجعت قدرة الدولة أكثر على استعادة دورها الطبيعي. وهكذا تدخل المجتمعات في حلقة مغلقة من القلق والارتهان المتبادل. لذلك فإن أزمة الخوف في لبنان ليست فقط أزمة خطاب سياسي، بل أزمة دولة لم تستطع حتى اليوم احتكار مفهوم الحماية نفسه. فحين يشعر المواطن أن أمنه ومعيشته ومصيره مرتبطون بتوازنات القوى لا بمؤسسات الدولة، يصبح المجتمع أكثر هشاشة أمام أي خطاب يقوم على التخويف أو التعبئة أو إدارة القلق الجماعي.
إن أخطر أشكال السيطرة ليست تلك التي تمنع الناس من الكلام فقط، بل تلك التي تجعلهم يخافون حتى من التفكير خارج السردية السائدة. فعندما تُختزل الخيارات كلها بين “الاصطفاف” و”الخيانة”، وبين “الاستمرار” و”الاستسلام”، تفقد السياسة معناها الطبيعي، ويتحول المجتمع من فضاء للنقاش إلى مساحة لإدارة القلق الجماعي. فالوطن لا يتحول إلى وطن فقط لأن الناس تموت من أجله، بل أيضًا لأنهم يستطيعون أن يعيشوا فيه بكرامة وأمان واستقرار. أما تحويل المجتمع إلى حالة تعبئة دائمة، حيث يصبح الخوف شرطًا للتماسك، فهو نموذج يُرهق الإنسان حتى لو لم يسقط عسكريًا.
وفي النهاية، لا تحتاج المجتمعات فقط إلى خطاب عن الصمود، بل إلى أفق لحياة طبيعية. لأن القوة الحقيقية لأي مشروع لا تظهر فقط في قدرته على المواجهة، بل أيضًا في قدرته على إعادة الناس إلى الحياة، لا إبقائهم على حافة النجاة طوال الوقت.