جوزف فرح

هل إن بناء الدولة ممكن في لبنان؟

5 دقائق للقراءة

هل إن بناء الدولة ممكن في لبنان؟ هو سؤال سياسي – اجتماعي عميق في جوهره يمكن الجواب عليه نظريًا بـ"نعم"، غير أنه شديد الصعوبة عمليًا، لا سيما في الظروف الراهنة، وبالتالي فهو يحتاج إلى تفكيك هادئ وموضوعي لمعرفة الإجابة الحاسمة.

يمتلك لبنان مقوّمات دولة حقيقية، ففيه طاقات بشرية هائلة في الداخل والخارج وموقعه الجغرافي والإقتصادي يمنحه عناصر قوة. كذلك بالنسبة إلى مجتمعه المتعلّم والمنفتح بالإجمال، كما أن مؤسسات الدولة، على ضعفها، لا تزال قائمة كالجيش والقضاء والإدارة، في حين يمتلك اللبنانيون خبرة طويلة في التعايش على الرغم من الصراعات التي شهدها ولا يزال يشهدها بلدهم.

إلا أن العوائق البنيويّة العميقة تجعل من قيام الدولة أمرًا صعبًا راهنًا.

من أبرز هذه العوائق النظام الطائفي الذي ينحو بالولاء من الدولة إلى الطائفة ويحوّل السياسة إلى محاصصة وليس إلى إدارة عامة كفوءة، كما يمنع قيام مفهوم المواطن المتساوي مع أقرانه أمام القانون.

أما الفساد المنظم، فيشكل عائقًا آخر أمام قيام الدولة، إذ أصبح يشكل شبكة مصالح متشعبة تتخطى الأفراد ما يجعل الإصلاح الحقيقي يصطدم بمنظومة كاملة من المستفيدين من الفساد والزبائنية والإنهيار الحاصل، ويلعب فقدان الثقة بين المواطن والدولة وبين المواطنين أنفسهم دورًا سلبيًا أيضًا على هذا الصعيد.

والعنصر المؤثر جدًا في لبنان هو التدخلات الخارجية التي تلعب دورًا شديد السلبية. تشكل هذه التدخلات عائقًا أمام بناء الدولة إذ حوّلت لبنان إلى ساحة للصراعات الإقليمية وغالبًا ما جعلت القرار الوطني مرتهنًا للخارج، وخير دليل على صحة هذا الواقع معضلة السلاح غير الشرعي الذي لطالما شكّل عائقًا لا بل سدًا منيعًا أمام قيام دولة كاملة السيادة، وأسهم في إضعاف مؤسساتها وقرارها السياسي المستقل.

فمتى يصبح بناء الدولة ممكنًا فعليًا؟

يقتضي بناء الدولة وهو عمل تراكمي دؤوب، توفّر عدة شروط أهمها عدم الرهان على شخص واحد مهما كانت مكانته بل قيام حركة سياسية وطنية عابرة للطوائف يدعمها ضغط شعبي غير موسمي، بل مستمر ومنظم، إضافة إلى قضاء مستقل بالفعل، وتحييد لبنان عن صراعات الخارج قدر الإمكان واستعادة مفهوم الدولة كمرجعية وحيدة وحصرية للسلاح والقرار السيادي.

ولكن، ماذا عن إصلاح النظام المواكب لبناء الدولة؟

ينظر اللبنانيون إلى مسألة إصلاح النظام من زوايا مختلفة تتراوح بين مناد بنظام جديد وقائل بضرورة تطبيق الدستور الحالي الناتج عن اتفاق الطائف قبل الدعوة لنظام آخر وما بينهما.

وإلى حين قيام سلطة فعلية هدفها الأساسي بناء الدولة، نأمل أن تكون قيامتها قريبة، فإن الآليات الحالية المتوفرة تبقى قاصرة عن البدء بورشة إصلاحية جذرية ولو على قاعدة الدستور الحالي لعدّة أسباب أبرزها مناعة النظام الطائفي أمام الإصلاح الذي ترى فيه الطوائف تهديدًا للتوازنات القائمة في ما بينها، وانبثاق السلطة عن انتخابات تعيد إنتاج القوى الطائفية والمناطقية ذاتها، وهي المستفيدة من الحالة القائمة ولن تقدم على تغييرها، وكذلك القضاء المقيّد سياسيًا والإدارة المفرغة من الكفاءة.

فهل يعني ذلك أن التغيير مستحيل؟

بنظرة واقعية، يقتضي بناء الدولة الحقيقية القيام بإصلاح تدريجي عبر تقسيم الإصلاحات إلى جزئية (ممكنة من دون أن تكون كافية) كتحسين القوانين ورقمنة الخدمات وضبط الإنفاق، وبنيوية (صعبة لكنها ضرورية) كالخروج من النظام السياسي الطائفي تدريجيًا ووضع قانون انتخابات جديد وقانون ينظم الأحزاب وتوفير ظروف الإستقلال الفعلي للقضاء وحصر السلاح بيد الدولة حتى الوصول إلى تحقيق الدولة المدنية القائمة على المواطنة.

يحتاج الإصلاح أيضًا إلى ضغط شعبي مستمر ومنظم، وإلى بديل سياسي واضح، لا مجرّد احتجاج، تبلوره نخب سياسية جديدة مستعدة لدفع كلفة المواجهة عبر صبر سياسي والمراهنة على الوقت والتراكم التدريجي.

بالمقارنة مع دول أخرى مرّت بأزمات بنيوية شبيهة بالتي يمرّ بها لبنان (طائفية، سلاح، فساد، تدخلات خارجية) ونجحت في الخروج منها، نفهم ما الذي تغيّر وكيف ولماذا.

خرجت إيرلندا الشمالية مثلا من العنف الطائفي إلى السياسة عبر اتفاق سياسي شامل يعرف بـ"اتفاق الجمعة العظيمة" في العام 1998، والبوسنة أوقف "اتفاق دايتون" الحرب الطائفية فيها من خلال حسم السلطة المركزية للمسألة الأمنية والسياسية، ورواندا انتقلت من الإبادة الجماعية إلى الدولة المركزية وتشيلي خرجت من نظام ديكتاتوري فاسد تدريجيًا عبر عدالة انتقالية ولو بوقت طويل وصبر.

التغيير الحقيقي بطيء ومكلف سياسيًا، والحديث عن تدرّج التغيير لا يعني التنازل عن الهدف الأساسي، غير أن المؤسف حتى الساعة أن لبنان لم يحسم خياره بعد، فلا تسوية شاملة ولا حسم مركزيًا ولا مشروع وطنيًا جامعًا، فالدولة التي خرجت من أزمات مشابهة، غيّرت قواعد اللعبة، ولبنان لن يفشل بدوره إذا ما قرّر بنوه بناء الدولة، بل الفشل كل الفشل أن هذا البلد لم يقرّر بعد ماذا يريد أن يكون وأية دولة يريد أن يبني!