الدكتور سايد حرقص

لبنان والخروج من دوّامة اللادولة

3 دقائق للقراءة

لا يحتاج لبنان إلى عرّافٍ أو منجّم كي يقرأ مستقبله؛ فما يعيشه اليوم ليس استثناءً تاريخيًا ولا لغزًا جغرافيًا، بل حالة كلاسيكية لانهيار الدولة حين تفقد عصبيتها الوطنية الجامعة وتغرق في صراع عصبياتٍ فرعية وولاءاتٍ خارجية متناحرة.

يؤكّد ابن خلدون في المقدّمة أنّ الدولة لا تقوم بالقانون وحده، بل بعصبيةٍ تحمي القانون وتمنحه شرعيته. والعصبية هنا ليست تعصّبًا أعمى، بل رابطة تضامن سياسي–اجتماعي تجعل الأفراد مستعدّين للدفاع عن كيانٍ مشترك. غير أنّ لبنان، مع الأسف، لم يشهد يومًا نشوء هذه العصبية الوطنية بشكلٍ مكتمل؛ إذ جرى، منذ التأسيس، استبدالها بعصبيات طائفية ومذهبية وعائلية، وبشبكات ولاء وحماية خارجية، حتى تحوّلت الدولة نفسها إلى ساحة صراع دائم مع كل تبدّل في موازين القوى الإقليمية، من الاستقلال مرورًا بأعوام 1958 و1975 و1982 و1990 و2000 و2005، وصولًا إلى عام 2026.

اليوم، ومع خطاب الكراهية والتهديد الذي يبثه الشيخ نعيم، يزداد المشهد سوادًا: تضعف هيبة الدولة، ويحلّ الاستقواء العلني بالخارج محل الولاء الوطني. وهكذا، يصبح الخارج مرجعية أساسية وشريكًا في السيادة الوطنية، فيما يتوزّع القرار الوطني بين عواصم متعددة، وتُختزل السيادة الرسمية في خطابات إنشائية. فتتحوّل الدولة إلى سلطة عاجزة بلا قرار، ويصبح الشعب جماعات متناحرة بلا أفق وطني موحّد. لا يبتعد هذا الواقع كثيرًا عمّا قاله جان جاك روسو في العقد الاجتماعي:«حين يفقد الناس الإحساس بالإرادة العامة، تموت الجمهورية ولو بقيت مؤسساتها قائمة». في لبنان، تبدو المؤسسات قائمة شكليًا، لكنّ الإرادة العامة غائبة. لا مشروع وطنيًا جامعًا، بل مشاريع متوازية متصادمة، وكل عصبية طائفية تزعم احتكار “الحق المطلق” وتمثيل الجماعة بأسرها.

ووفقًا لما يوضّحه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر في كتابه «السياسة كمهنة» (Politics as a Vocation)، فإن الدولة تعرف بأنها الكيان الذي يمتلك الحق الحصري في إحتكار إستخدام القوة، بحيث يكون لها الحق القانوني الحصري في ممارسة العنف المشروع.في الحالة اللبنانية، لا تحتكر الدولة هذا العنف، ولا تملك قرار السلم والحرب، ما يجعلها كيانًا منقوص السيادة. وهنا تتقاطع رؤية فيبر مع ابن خلدون: فعندما تعجز الدولة عن فرض سلطتها، تتقدّم العصبيات البديلة لملء الفراغ، لا بهدف بناء دولة، بل لحماية نفوذها ومصالحها الخاصة.

ويذهب أنطونيو غرامشي في "دفاتر السجن" إلى أن «سيادة أي جماعة اجتماعية تتجلى بطريقتين: بالهيمنة من جهة، وبالقيادة الفكرية والأخلاقية من جهة أخرى»، في إشارة واضحة إلى أن الدولة لا تحكم بالقوة وحدها، بل عبر إنتاج وعيٍ جماعيٍّ يشرعن سلطتها. في لبنان، لم تنجح السلطة في إنتاج هذا الوعي؛ بل تُرك المجال لخطابات الخوف من الشريك في الوطن واستحضار الذاكرة الدموية عبر موروثات شعبية قائمة على المبالغات والأوهام، فتحوّل المواطن إلى أسير قصص وروايات قبلية وعائلية وطائفية بمجملها مغلوطة، بدل أن يكون شريكًا واعيًا في وطنٍ جامع.

من هنا، لا خلاص للبنان عبر ترقيع النظام أو تبديل الوجوه، بل عبر ولادة عصبية وطنية جديدة تقوم على المواطنة، والعدالة، وتكافؤ الفرص. عصبية ترى في الدولة غاية لا غنيمة، وفي القانون مرجعية لا أداة انتقائية. ومن دون ذلك، سيبقى لبنان يدور في حلقة الانهيار البطيء: لا دولة تسقط بالكامل، ولا دولة تُبنى فعلًا.