منذ سنوات، تتعامل أطراف إقليمية ودولية مع الواقع اللبناني من زاوية "إدارة الأزمة" لا معالجتها. هذه المقاربة، وإن بدت براغماتية في ظاهرها، تنطوي في جوهرها على خلل بنيوي عميق، يتمثل في محاورة قوى تناقض مفهوم الدولة فعليًا، مقابل تجاهل أو تهميش القوى التي تشكّل امتدادها الطبيعي والأخلاقي. ويظهر هذا الخلل بوضوح في التعامل مع الجماعات المسلحة الخارجة عن إطار الشرعية، في مقابل الغياب شبه الكامل لأي رهان جدي على الاعتدال السياسي بوصفه ركنًا أصيلًا في مشروع الدولة اللبنانية.
وقد تجسّد هذا النهج في سياسات دولية اكتفت بإدارة التوازن مع قوى الأمر الواقع المسلحة، بدل العمل على تعزيز منطق الدولة ومؤسساتها. والنتيجة لم تكن احتواء الأزمة، بل تكريسها، وإضعاف فرص بناء سلطة سيادية تستند إلى الشرعية والاعتدال السياسي لا إلى موازين القوة. المنطق الذي يحكم هذا السلوك ليس جديدًا في السياسة الدولية: التفاوض مع من يملك القوة لا مع من يملك الشرعية. غير أن تطبيق هذا المنطق على الحالة اللبنانية لا يؤدي إلى التهدئة بقدر ما يعيد إنتاج الأزمة في شكل أكثر تعقيدًا، ويمنح القوى الخارجة عن الدولة شرعية مستترة. فكل اعتراف سياسي غير مشروط بقوة مسلحة خارج إطار الدولة، يتحول عمليًا إلى مكافأة على تقويضها.
المشكلة الجوهرية أن الحوار غير المشروط مع قوى خارج الدولة لا يجمّد نفوذها، بل يوسّعه. ففي كل مرة تُعامل هذه القوى كأطراف سياسية طبيعية من دون ربط ذلك بتفكيك سلاحها أو بإعادة الاعتبار لمرجعية الدولة، تُكرَّس معادلة خطيرة: القوة تسبق الشرعية، والالتزام بالدولة لا يمنح نفوذًا. وفي ظل هذه المعادلة، لا يُكافأ الاعتدال، بل يُهمَّش ويُترك بلا حماية سياسية.
الأخطر من التهميش هو ما يمكن تسميته بـ"سرقة الاعتدال". فالقوى المهيمنة، حين تُدمج في مؤسسات الدولة من دون شروط سيادية واضحة، تعيد تقديم نفسها بوصفها ممثلة للاعتدال السياسي، مستخدمة لغة المؤسسات شكلًا، فيما تُقصى القوى المعتدلة الحقيقية التي تؤمن بالدولة فعلًا لا قولًا. وهكذا يتحول الاعتدال من منظومة قيم وسلوك سياسي إلى غلاف لغوي يُستخدم لتجميل مشروع نقيض، وتُسلب الطائفة حقها في تمثيل نفسها خارج منطق السلاح. في هذا السياق، لا يبدو أن الاعتدال الشيعي يعاني من ضعف فكري أو قيمي أو حتى شعبي، بقدر ما يعاني من حصار مركّب. حصار داخلي يمنع تبلوره كقوة منظمة وقادرة على الفعل، وحصار سياسي خارجي يتعامل معه بوصفه عاملًا ثانويًا لا خيارًا استراتيجيًا. أما الحديث عن "دعم صامت" لهذا الاعتدال، فلا يصمد أمام الوقائع؛ فالدعم الذي لا يتحول إلى حماية سياسية واضحة ومساحة فعل حقيقية، يبقى مجرّد افتراض نيات لا أثر له في موازين القوى.
الخطأ هنا لا يكمن بالضرورة في النيات، بل في الحسابات. فافتراض أن التهدئة المرحلية تفتح تلقائيًا باب الحل أثبت فشله. كل دمج بلا تفكيك هو تمكين، وكل اعتراف بلا شروط هو شرعنة. ومع مرور الوقت، تجد الجهة الساعية إلى الاستقرار نفسها أمام دولة مفرغة من مضمونها، ومؤسسات مخترقة، واعتدالٍ مُصادَر لا ممثَّل.
إن مساعي بعض الدول، العربية وغير العربية الداعمة نظريًا لقيام دولة المؤسسات والقانون في لبنان، لا يمكن أن تنجح طالما أنها تحصر تواصلها بالقوى التي تُعدّ سببًا رئيسيًا في ضعف الدولة اللبنانية. فالوصول إلى حصرية السلاح وإرساء السيادة لا يتحقق عبر حصر الحوار والتمثيل بالقوى التي تمتلك السلاح خارج مؤسسات الدولة، بل عبر إشراك القوى المعتدلة والفاعلة سياسيًا التي تؤمن بالدولة، ومنحها مساحة حقيقية للمشاركة واتخاذ القرار.
من هنا، تبرز ضرورة إجراء مراجعة جدّية لهذه المقاربة، لا من باب الاتهام، بل من موقع المسؤولية السياسية والأخلاقية. فالمسار التصحيحي يقتضي الانتقال من سياسة محاورة مراكز القوة إلى سياسة حماية مراكز الشرعية، وربط أي حوار بشروط واضحة تتصل بحصرية السلاح. فالدولة الجادّة في احتكارها الشرعي للسلاح لا يمكنها، في الوقت نفسه، أن تحصر التمثيل السياسي بمن يحمل السلاح خارج إطارها. إن حصر التمثيل بأهل السلاح لا يؤدي إلى قيام دولة ذات سيادة، بل يكرّس منطق القوة على حساب الشرعية.
إن حماية لبنان لا تكون بتكييف الدولة مع واقع السلاح، بل بإعادة الاعتبار لمن يؤمن بالدولة داخل كل بيئة، وفي طليعتهم الاعتدال الشيعي الذي لم يُهزم، بل أُقصي وصودِر سياسيًا. ومن دون إنصاف هذا الاعتدال كشريك فعلي في القرار، سيبقى أي استقرار مؤقتًا، وأي حل هشًّا، فيما تتحول الأخطاء الراهنة إلى مسؤوليات تاريخية يصعب تداركها لاحقًا. فالدولة التي تفاوض نقيضها، وتُقصي من يؤمن بها، لا تؤجّل أزمتها فحسب، بل تؤسّس لانهيارها المؤجَّل.