كتاب "اليوم الثالث: قراءة في الهويّة المسيحيّة الفلسطينيّة" للباحث الأب أغابيوس أبو سعدى المخلّصيّ، هو ثمرة تأمُّلٍ لاهوتيّ وقراءة واقعيّة في آن، يسعى إلى تقديم دراسةٍ معمّقةٍ لوضع المسيحيّين في فلسطين، لا من منظور الضحيّة فقط، بل من موقع الشاهد: الشاهد على الألم، والشاهد على الرجاء، والشاهد على إمكانيّة القيامة رغم كلّ صلبٍ يوميّ. فالمسيحيّ الفلسطينيّ ليس حالةً هامشيّةً في تاريخ المنطقة، بل هو شاهدٌ على عمق الجذور، وشريكٌ في معاناة شعبه، ورسولٌ في أرض القيامة. تنشر "نداء الوطن" أدناه، فصلًا من "اليوم الثالث" الصادر عن "دار سائر المشرق".
منذ أواخر القرن التاسع عشر، أسهم المسيحيّون الفلسطينيّون - ضمن السياق الأوسع للنهضة العربيّة - في بلورة وعي قوميّ وحدويّ، تمثل في الصحافة والتعليم والنشاط الأدبيّ. وكانت مدن، مثل: القدس وبيت لحم والناصرة وحيفا، مراكزَ نشطة للفكر القوميّ، وقد خرج منها مفكّرون وأدباء مسيحيّون، رأوا في الاحتلال الاستعماريّ البريطانيّ لاحقًا، ثمّ في المشروع الصهيونيّ، تهديدًا للكيان الفلسطينيّ المتكامل. ففي فترة الانتداب البريطانيّ، انخرط المسيحيّون في الحراك السياسيّ الوطنيّ منذ بداياته، وشاركوا في تأسيس الأحزاب والحركات المناهضة للانتداب، مثل: "حزب الاستقلال"، و "المؤتمر العربيّ الفلسطينيّ". كما لعبوا دورًا محوريًّا في الصحافة الفلسطينيّة - مثل صحيفة "مرآة الشرق" التي أسّسها بولس شحادة - التي كانت منابرَ رئيسيّة للدفاع عن حقوق الفلسطينيّين، ورفض وعد بلفور.
كما ساهم العديد من المفكّرين والمثقفين المسيحيّين في صياغة المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ. نذكر من بينهم خليل السكاكيني، الذي كان من روّاد التربية القوميّة، وعيسى العيسى مؤسّس صحيفة "فلسطين"، والتي شكّلت منبرًا مبكّرًا للتعبير عن الهويّة الفلسطينيّة ومناهضة المشروع الصهيونيّ. كما لعب نجيب نصّار، مؤسّس جريدة "الكرمل" في حيفا، دورًا محوريًّا في فضح السياسات الاستعماريّة البريطانيّة والصهيونيّة في فلسطين. فقد لعب المسيحيّون الفلسطينيّون أيضًا أدوارًا مهمّة في العمل الدپلوماسيّ لتعزيز قضيّة فلسطين في المحافل الدوليّة. فإدوارد سعيد، الأكاديميّ والمفكّر الفلسطينيّ العالميّ، كان صوتًا أخلاقيًّا وحقوقيًّا عاليًا في الدفاع عن حقوق الفلسطينيّين في الغرب، وخصوصًا في الولايات المتحدة. وكان له أثرٌ كبيرٌ في تشكيل الرأي العامّ العالميّ بشأن عدالة القضيّة الفلسطينيّة وفضح عنصريّة الاحتلال الإسرائيليّ.
لم يكن الحضور المسيحيّ مقتصرًا على العمل السياسيّ أو الثقافيّ فحسب، بل أيضًا في المجال الكنسيّ والإغاثيّ والاجتماعيّ. فكنائس فلسطين وقفت في معظمها موقفًا وطنيًّا واضحًا، داعمةً لحقوق الشعب الفلسطينيّ، ورافضةً تهويد القدس وتهجير السكّان. وقد لعب البطاركة والأساقفة أدوارًا في حماية المقدّسات وتثبيت الحضور المسيحيّ الفلسطينيّ، أذكر منهم المطران غريغوريوس حجّار، والمطران جبرائيل أبو سعدى، والمطران إيلاريون كبّوتشي، والأب إبراهيم عيّاد، والمطران لطفي لحّام (البطريرك غريغوريوس الثالث)، والبطريرك ميشيل صبّاح، والمطران عطالله حنا، والقِسّ نعيم عتيق، والأب الياس شوفاني، والقِسّ متري الراهب، والقِسّ منذر إسحق...
يشكّل المسيحيّون نموذجًا حيًّا للعيش المشترك والوحدة الوطنيّة في فلسطين. فرغم أنهم أقليّة عدديّة، غير أنهم لم يقدّموا أنفسهم يومًا كأقليّة سياسيّة أو طائفيّة، بل اندمجوا في النسيج الفلسطينيّ الكلّيّ، مشاركين في الأحزاب، والنقابات، والمجتمع المدنيّ، ما عزز الطابع التعدّديّ للحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، وجعلها أكثر قدرة على مخاطبة العالم بلغةٍ حقوقيّةٍ وإنسانيّةٍ جامعة. ورغم أن المسيحيّين الفلسطينيّين ظلّوا في الغالب أوفياء للقضيّة الوطنيّة وفاعلين فيها، غير أن أسلمة القضيّة أدّت إلى تقليص دورهم السياسيّ والثقافيّ؛ وخلق ارتباكٍ في الهويّة والانتماء؛ وتعقيد علاقتهم بالخطاب الإسلاميّ المسيطر؛ ودفع كثيرين منهم للهجرة أو الانعزال. وفي المقابل، ظلّت أصوات مسيحيّة فلسطينيّة تحافظ على الحضور والمشاركة، وتؤكّد أن القضيّة الفلسطينيّة قضيّة وطنيّة عادلة، وليست حكرًا على دينٍ دون آخر.
في الختام، يظلّ المسيحيّون الفلسطينيّون جزءًا لا يتجزّأ من النسيج الوطنيّ الفلسطينيّ، يحملون إرثًا تاريخيًّا وثقافيًّا غنيًّا، ويشاركون بعمقٍ في نضال شعبهم من أجل الحرّية والكرامة. ورغم التحدّيات السياسيّة والاجتماعيّة والديموغرافيّة التي تواجههم، يبقى الأمل معقودًا على قدرتهم على الصمود والحفاظ على هويّتهم المميّزة ضمن فلسطين الحيّة، التي تحتضن جميع أبنائها على اختلاف انتماءاتهم. فمستقبل المسيحيّين الفلسطينيّين مترتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بمستقبل فلسطين بأسرها، حيث تتحقق العدالة والمساواة والعيش المشترك، لتبقى أصواتهم ومساهماتهم حيّةً في بناء وطنٍ يسوده السلام والتنوّع والاحترام المتبادل.
لماذا عنوان "اليوم الثالث"؟ لأن المسيحيّين، كجزءٍ لا يتجزّأ من النسيج الوطنيّ الفلسطينيّ، ينتظرون بفارغ الصبر بزوغ فجر اليوم الثالث، يوم الاستقلال الوطنيّ وإقامة دولتهم المستقلّة وعاصمتها القدس الشرقيّة، كما هو مقرَّرٌ في قرارات الشرعيّة الدوليّة. إلّا أنهم، في الوقت عينه، يخافون من تحويل دولتهم المنتظرَة إلى دولةٍ ذات طابعٍ إسلاميّ بحت، فيكونون مواطنين من درجةٍ ثانية وأقلّ. فلا يمكن أن يحمل الدستور الفلسطينيّ، في مادّته الخامسة، أن "الإسلام هو الدين الرسميّ في فلسطين، وللمسيحيّة ولسائر الرسالات السماويّة قدسيّتها واحترامها"، لأن فلسطين هي أرض المسيح، حتى لو كانت أغلبيّة سكّانها من المسلمين. هذا هو الوعي الوطنيّ والقوميّ الذي أبتغيه، كما يبتغيه الكثيرون من أبناء شعبنا.
أهدي هذا الكتاب لكلّ المناضلين المنسيّين في الذاكرة التاريخيّة، الفرديّة والجماعيّة، للشعب الفلسطينيّ، إذ يجب أن يكونوا على صفحات مناهج التاريخ والتربيّة الوطنيّة، حتى يعرف شركاؤنا في الوطن الدَّور البارز الذي قدّمه المسيحيّون في الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، وما زالوا يقدّمون.
أرض بلا شعب لشعب بلا أرض
إنّ عبارة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" هي واحدة من أكثر العبارات التي يتمّ الاستشهاد بها في أدبيّات الصهيونيّة - وربّما الأكثر إشكاليّة أيضًا. ويستشهد مناهضو الصهيونيّة بهذه العبارة باعتبارها تجسيدًا مثاليًّا للظلم الأساسيّ الذي ارتكبته الصهيونيّة: فقد روّج الصهاينة الأوائل أن فلسطين غير مأهولةٍ بالسكّان، وأنكروا وجود ثقافة فلسطينيّة مميّزة، وما زالوا يرفضونها حتى كدليل على أن الصهاينة خطّطوا دومًا للتطهير العرقيّ للسكّان العرب. إنّ مثل هذه التأكيدات لا أساس لها من الصحّة: فهي تنكر وعي الصهاينة الأوائل بوجود العرب في فلسطين، وتبالغ في تضخيم اندماج الهويّة الوطنيّة الفلسطينيّة، التي لم تتطوّر في الواقع إلّا كردّ فعل على الهجرة الصهيونيّة. كما أنه ليس صحيحًا، كما يؤكّد العديد من مناهضي الصهيونيّة حتى الآن، أن الصهاينة الأوائل استخدموا هذه العبارة على نطاقٍ واسع.
ينسب العديد من المفسّرين، مثل المنظر الأدبيّ الفلسطينيّ إدوار سعيد، أصول العبارة خطأً إلى يسرائيل زانچويل. ففي الواقع، صاغ العبارة ونشرها كتّابٌ مسيحيّون في القرن التاسع عشر. ففي عام 1831، انتزع محمّد علي باشا، حاكم مصر، السيطرة على سوريا الكبرى من السيطرة العثمانيّة المباشرة، وهو التغيير السياسيّ الذي دفع وزارة الخارجيّة البريطانيّة إلى إرسال قنصلٍ إلى القدس.
حفز هذا التطوّر الخيال الشعبيّ. ويبدو أن أقدم استخدامٍ منشورٍ للعبارة وُجِدَ في كتاب القِسّ ألكسندر كيث، من كنيسة اسكتلندا، بعنوان: "أرض إسرائيل وفقًا للعهد مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب"، الذي نشره عام 1843. كان كيث مفكّرًا إنجيليًّا مؤثّرًا، ولا يزال عمله الأكثر شعبيّة، "دليلٌ على حقيقة الدين المسيحيّ المستمدّ من الإتمام الحرفيّ للنبوءة"، مطبوعًا، بعد قرنَين تقريبًا من نشره لأوّل مرّة. وباعتباره من أنصار فكرة أن المسيحيّين يجب أن يعملوا على تشجيع النبوءة الكتابيّة حول عودة اليهود إلى أرض إسرائيل، فقد كتب أن اليهود شعبٌ بلا وطن؛ تمامًا كما أن أرضهم، كما سيتضح لاحقًا، هي، إلى حدّ كبير، بلدٌ بلا شعب.
كان كيث على علمٍ بأن الأرض المقدّسة مأهولة بالسكّان، لأنه سافر إلى فلسطين عام 1839 نيابة عن كنيسة اسكتلندا، وعاد بعد خمس سنوات مع ابنه، جورج سكيني كيث، والذي يُعتقد أنه أوّل مصوّرٍ يزور الأرض المقدّسة.
في تمّوز من عام 1853، كتب رجل الدولة البريطانيّ والمصلح الاجتماعيّ اللورد شافْتسبري إلى وزير الخارجيّة جورج هاملتون چوردون، أن سوريا الكبرى "بلدٌ بلا أمّة" بحاجةٍ إلى "أمّةٍ بلا بلد... هل هناك شيءٌ من هذا القبيل؟ من المؤكّد أن هناك: السادة القدامى الشرعيّون لهذه الأرض، اليهود!" وأوضح شافْتسبري في مذكّراته أن هذه المناطق الشاسعة الخصبة سوف تصبح قريبًا بلا حاكم، وبلا قوّةٍ معروفةٍ ومعترفٍ بها للمطالبة بالسيادة. ولا بدّ من إسناد هذه الأراضي إلى كيانٍ سياسيّ ذي شخصيّةٍ قانونيّة. فهناك بلدٌ بلا أمّة؛ والآن يوجّهنا الله بحكمته ورحمته إلى أمّةٍ بلا بلد.
