بعد توقف الحرب ما زال مستقبل المنطقة، ولا سيما في القرى المدمرة، غامضًا ومجهولًا، ويثير القلق بين الأهالي. فلا حياة في القرى، ولا حركة بناء وإعمار في بلدات الحافة الأمامية شبه المهجورة الأغلبية الساحقة من الأهالي ما زالوا مهجرين ومبعدين قسرًا عن منازلهم، ومع غياب قدرة السكان على تغيير الواقع، يزداد الخوف على المستقبل والمصير الملبّد بالغيوم، والكل في حالة من الترقب والانتظار المميت لما سيحدث في المنطقة الحدودية من تطورات قد تغيّر مستقبلها، ويسأل البعض: هل ستصبح القرى المحاذية للحدود والمدمرة منطقة اقتصادية وفق المخطط الإسرائيلي والأميركي؟
الحقيقة الوحيدة الواضحة والواقعية هي أن الأهالي تعبوا بعد عامين ونيف من حرب الإسناد التي قادها "حزب الله"، وهم يريدون الخلاص والفرج والاستقرار والعودة إلى بلداتهم والعيش فيها بسلام وأمان واستقرار على المستويات كافة.
ما يزيد من تردي الأوضاع الأمنية وقساوة العيش في المنطقة، هو استمرار القوات الإسرائيلية في ملاحقة عناصر وقيادات "حزب الله" في منطقة جنوب الليطاني حيث كان آخرها في بداية هذا الشهر حيث استهدفت إسرائيل عنصرين من "حزب الله" في مدينتيّ الخيام وبنت جبيل. وبات هذا الواقع اليومي يشكل خطرًا حقيقيًا ليس فقط على المستهدفين فقط، بل على المدنيين المقيمين في المنطقة، لأن الجيش الإسرائيلي إذا أراد تحقيق أهدافه في أي منطقة، لا يبالي بأرواح وممتلكات الأهالي وأرزاقهم.
وعلى الرغم مما جرى في المنطقة خلال الحرب من تهجير ودمار للقرى، لا يزال "حزب الله" يتحكم بالمشهد السياسي في منطقة جنوب الليطاني، وهو قادر على التحكم بمجريات الأمور وعلى تغيير واقع المنطقة في أي لحظة وعندما تتخذ قيادته المركزية أي قرار سياسي، لأن الأغلبية الساحقة من سكان البلدات الشيعية في قرى قضاء مرجعيون، مستمرة في تأييدها ودعمها لسياسة وتوجهات "حزب الله"،وإن مناصري إن لم نقل عناصر "الحزب"، هم أعضاء في المجالس البلدية والاختيارية الذين فازوا بالتزكية في انتخابات عام 2025 في معظم البلدات الجنوبية في أقضية النبطية، مرجعيون، بنت جبيل، وحتى في قضاء حاصبيا حيث يضم بلدة شيعية واحدة هي الدلافة.
يأمل أبناء القرى الجنوبية عودة الحياة إلى ما كانت عليه قبل الحرب بأي طريقة ووسيلة ممكنة، وأن تنتهي فصول هذا المسلسل الطويل من العذاب والقتل والدمار، متمنين أن يأخذ الجميع بالاعتبار المواقف الرسمية الوطنية الكبيرة التي أطلقها رئيس الجمهورية في الذكرى السنوية الأولى لتسلمه مهامه الرئاسية، حيث شكل خطاب القسم خريطة الطريق لعمله، وقال: "رئيس الجمهورية هو حَكم لا طرف، والصلاحيات تمارس ولا تختصر بالنصوص. وأن قرار حصرية السلاح اتخذ في مجلس الوزراء وينفذ من قبل الجيش اللبناني وفق الإمكانات والظروف، وهو قرار داخلي وليس مفروضًا من الخارج".
واعتبر الرئيس عون "أن دور السلاح خارج الدولة انتفى بوجود الجيش، وأن بقاءه صار عبئًا على بيئته وعلى لبنان ككل، ولم يعد له من دور رادع. وآن الأوان أن تتحمل الدولة مسؤولية حماية أبنائها وأرضها. ولم تعد فئة من الشعب مضطرة بعد اليوم أن تتحمل الأمر، ولبنان كله يتحمل تبعة ذلك. حان الوقت لكي نغلّب قوة المنطق على منطق القوة".