يأتي فيلم "Jay Kelly" ليؤكّد مجدّدًا أن السّينما المعاصرة لم تعد مُنشغلة فقط بسرد الحكايات، بل باتت تُسائل ذوات صانعيها ونجومها، وتضع مفهوم النجاح ذاته تحت المجهر. في هذا العمل، يُقدّم الكاتب والمُخرج الاستثنائي Noah Baumbach فيلمًا هادئًا في ظاهره، مُضطربًا في جوهره، يتأمّل فيه حياة ممثل بلغ ذروة المجد، لكنه يكتشف متأخرًا أن المجد لا يُعوّض الفراغ الإنسانيّ.
يروي الفيلم قصّة جاي كيلي، نجم سينمائيّ عالميّ يعيش مرحلة مفصليّة من حياته، حيث تبدأ صورته العامّة بالتآكل أمام أسئلة شخصيّة مؤلمة: ماذا بقي بعد التصفيق؟ وماذا تعني الأبوّة، الصّداقة، والصّدق مع الذات، حين تكون الحياة سلسلة من الأدوار المؤدّاة؟
لا يعتمد السّيناريو على حبكة تقليديّة قائمة على تصاعد الأحداث، بل يُفضل البناء التأمّلي، حيث تتقدّم الشخصيّة عبر لحظات متفرّقة، لقاءات وحوارات تبدو أحيانًا عابرة، لكنها تشكّل في مجموعها خريطة نفسيّة دقيقة لشخصٍ مأزوم.
كلوني وساندلر بلا أقنعة
أداء النجم George Clooney في دور جاي كيلي يُعدّ من أبرز عناصر الفيلم. لا يلجأ كلوني إلى الانفعال الصّريح أو الاستعراض العاطفيّ، بل يُقدّم شخصيّة مُتعبة، مُتردّدة، تعيش صراعها الدّاخلي بصمتٍ ثقيل. قوّة الأداء تكمن في الاقتصاد التعبيريّ مع نظراتٍ طويلة، تردُّد في الكلام وإحساس دائم بأن الشخصيّة تخفي أكثر ممَّا تقول.
هذا الاختيار التمثيليّ يخدم رؤية الفيلم التي ترى في الصَّمت أحيانًا لغة أبلغ من الحوار. في المُقابل، يُقدّم Adam Sandler واحدًا من أكثر أدواره نُضجًا في مسيرته، بعيدًا من الكوميديا المُباشرة التي ارتبط اسمه بها طويلًا. شخصيّة "Ron Sukenick"، مدير أعمال جاي وصديقه، تُمثل الجانب العملي والواقعي من حياة البطل، لكنها ليست أقلّ تعقيدًا. ساندلر ينجح في المزج بين خفة الظلّ والحُزن المكتوم، ليُقدِّم شخصيّة تشبه ضميرًا مُرافقًا للبطل، لا يملك حلولًا، لكنه يملك صدق المواجهة.
مُخرج يُجرّد النجوميّة من بريقها
يواصل المُخرج Noah Baumbach اشتغاله على العلاقات الإنسانيّة الهشة، مُستخدمًا أسلوبًا يعتمد على الحوار المُطوّل، والمَشاهد اليوميّة غير المُتكلّفة، مع إيقاعٍ بطيءٍ نسبيًا. هذا الإيقاع قد يبدو مُمِلًا لبعض المُشاهدين، لكنه مقصود، ويعكس حالة التيه والفراغ التي يعيشها البطل. الكاميرا لا تبحث عن الإبهار، بل تكتفي بمُراقبة الشخصيّات عن قرب، وكأنها تمنح المُتفرّج موقع الشاهد لا المُتحكّم.
من الناحية الفكريّة، يطرح "Jay Kelly" أسئلة واضحة حول معنى الهويّة في زمن الشهرة، وحول الثمن الذي يدفعه الإنسان حين تتحوّل حياته صورة جماهيريّة. إلّا أن الفيلم لا يذهب دائمًا إلى أقصى إمكانيّاته، إذ إن بعض الخطوط الدراميّة، خاصّةً تلك المُتعلّقة بالعلاقة مع الأبناء، تُطرح بشكلٍ واعد ثمَّ تُترك من دون تعميقٍ كافٍ، ما يمنح الفيلم أحيانًا شعورًا بعدم الاكتمال. مع ذلك، لا يُمكن اعتبار هذا النقص ضعفًا كاملًا، بل هو جزء من فلسفة العمل التي ترفض الخاتمات الواضحة والإجابات الجاهزة. ليست النتيجة فيلمَ خلاص، بل فيلم أسئلة مفتوحة، يعكس حالة إنسان معاصر يعيش في وفرةٍ ماديّةٍ مُقابل فقرٍ عاطفي.
يُقدّم فيلم "Jay Kelly" تجربة سينمائية ناضجة، تعتمد على الأداء والكتابة أكثر من الحدث، وتُخاطب جمهورًا مُستعدًّا للتأمّل والصَّبر. هو فيلم عن الشيخوخة، والندم والبحث المُتأخر عن معنى، وقد لا يكون سهل التقبُّل أو جماهيريًّا، لكنه ينجح في أن يكون صادقًا مع نفسه، وهذا في حدّ ذاته قيمة سينمائية نادرة. إنه أحد الأفلام التي نتمنى دومًا لو تُطرح في صالات السّينما، قبل أن يبدأ عرضها مباشرة على منصَّة مثل "نتفليكس"!